التناجي في أمور الدين
الشيخ عبد المنعم البدراني
قول أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه : ” إذا رأيت قومًا يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة” .
الدارمي في سننه .
فإن له وجهين؛ وجه حق، ووجه باطل
فأما وجه الحق، فهو أن يقتصر جماعةٌ العلمَ على أفرادهم دون غيرهم من المسلمين، وهذا ما قصده أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه.
وأما الوجه الباطل الذي ربما يُفهم خطأً من هذا الأثر هو أن كل ما يُعلم يجب أن يُنشر على العامّة، وهذا عين الضلال، فليس كل ما يُعلم يُنشَر أو يقال على رؤوس الأشهاد والعامة والسوقية من الناس، إنما يجب أن تكون بعض المسائل العلمية حبيسة حِلَق العلم، لئلا يُفتن العامة بها، قال ابنُ مسعودٍ: “ما أنت بمحَدِّثٍ قَومًا حديثًا لا تبلُغُه عُقولُهم إلَّا كان لبَعضِهم فِتنةً” رواه الإمام مسلم في صحيحه.
وقال أمير المؤمنين سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه:”حَدِّثُوا النَّاسَ، بما يَعْرِفُونَ أتُحِبُّونَ أنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ ورَسولُهُ” رواه البخاري في صحيحه.
تأمل في آية
قوله تعالى في سورة النور:((وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (40
وفيها مسائل:
الأولى: قوله تعالى:((وَمَن لَّمْ يَجْعَل))
والجعل في القرآن نوعان:
الأول: جعل شرعي ديني وهذه الآية منه وهو أن يجعل الله لبعض عباده أسباب الهداية والاستقامة والصلاح فضلا منه ونعمة
الثاني: جعل قدري كوني وهو أن يجعل الله لبعض عباده أسباب الضلالة والانحراف والفساد عدلاً منه وحكمة ومنه قوله تعالى في سورة الإسراء:((وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ ))
الثانية: قوله تعالى:((وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا ))
أي نور البصيرة التي يرى المرء حقائق الأشياء من خلالها ولا تلزم هذه البصيرة عيناً باصرة فكم من أعمى بصر يرى ببصيرته
وكم من أعمى بصيرة لا يرى بعينه الباصرة
الثالثة: قوله تعالى :((فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ))
أي لا يستطيع أحد إلا الله هدايته إلى الصراط المستقيم ومنه قوله تعالى في سورة الكهف:((مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا (17)
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة الشرعية الدينية شعارا يذكره في كل خطبة حاجة والجمعة والعيدين وخطبة النكاح وغيرها لِيُذَكِّر الناس والمسلمين خاصة بفضل الله تبارك وتعالى عليهم أن جعل لهم نوراً يخرجهم به من الظلمات إلى النور
والنور هنا هو الشرع المنزل كتابا وسنة
ولذلك سمى الله تعالى كتابه نورا وسمى سنة النبي صلى الله عليه وسلم نورا ومنه قوله تعالى في سورة سورة الأعراف:((وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
وهذا هو القرآن.
ومنه قوله تعالى في سورة المائدة :((قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16) وهذا النور هو السنة.
فمن اتبع الكتاب والسنة فقد اهتدى وأخرجه الله بهما من الظلمات إلى النور وكان من أولياء الله الصالحين كما الله تعالى في سورة البقرة :((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ)) الآية257
ومن أعرض عنهما فقد ضل ضلالاً بعيدا وعاش عمره كله في ظلمات بعضها فوق بعض وكان من أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى في سورة البقرة أيضا:((وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257).