فضلُ الله على بعض الصحابة أن صلى خلفهم رسولُ الله

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

هما اثنان من الصحابة الكرام:الأول: سيدنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه وأرضاه وكان ذلك في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تُوفِّيَ على أثره صلى الله عليه وسلم فقال بعد أن أقعَدَهُ المرض عن صلاة الجماعة:(مُروا أبا بكر فلْيُصَلِّ بالناس).فكان سيدنا الصِّدِّيقُ يصلي إماماً بالناس مدة مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم.وذات مَرَّة خرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتهادى بين رجليْن والصلاة قائمة فبدأ يشق الصفوفَ ويتقدم وابو بكر يصلي بالناس فأكثر الناس من التسبيح لِيُنَبِّهوا أبا بكر بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة.فلما كثر تسبيحهم إلتَفَتَ سيدنا أبو بكر فرأى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعاد إلى الوراء فأشار له النبي صلى الله عليه وسلم أنْ ابْقَ مكانك فرفع سيدنا أبو بكر يديه يحمد الله تعالى على هذا الفضل الكبير.فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب أبي بكر فصار النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.وأما الصحابي الآخر الذي صلى خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو سيدنا عبد الرحمن بن عوف وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تأخر وأن وقت الصلاة مُضَيَّقٌ وكانت صلاة الفجر فأقاموا الصلاة وقدموا عبد الرحمن بن عوف للإمامة، فجاء النبي وقد أدرك ركعة واحدة خلف عبد الرحمن فلما سلَّمَ وسلَّم الناسُ رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وقد قام إلى الركعة الثانية فعظم ذلك في نفوسهم.فلما سلَّم النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ عبد الرحمن على إمامته واقرَّ الناس على صحة صلاتهم خلفه وأظهر السرور لحرصهم على أن لا يفوتهم وقتُ صلاة الفجر.مسائل:الأولى: ما حدث لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه مع النبي صلى الله عليه وسلم فصار مأموماً بعد أن كان إماماً فذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لأحد أن يتقدم على الإمام فيصير مأموماً بعد أن كان إماماً حتى وإن كان المتقدمُ أعلم وأفقه وأقرَأَ من الإمام.الثانية: هاتان الواقعتان تدلّانِ على مكانة هذيْنِ الصاحبييْنِ وخصوصاً سيدنا أبا بكر الصِّدِّيق لأنه حينما صلّى بالناس كان أمراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأما صلاة سيِّدنا عبد الرحمن بن عوف فلم تكن أمراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإنما كانت اجتهادًا من سيدنا عبد الرحمن، فأقرَّهُ النبي صلى الله عليه وسلم على اجتهاده، والأمر في السُّنَّةِ أقوى من الإقرار.أنظر وتأمل يرحمك الله.الثالثة: إقرارُ النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن اجتهاده يدل على مشروعية الاجتهاد في هذه الأمة إلى قيام الساعة.الرابعة: يجوز للمجتهدِ أن يعمل بالمرجوح من الأحكام مع وجود الراجح لمصلحة راجحة وهذا ما فعله سيدنا عبد الرحمن إذ أن إمامةَ النبي صلى الله عليه وسلم أفضل لهم وأكمل، ولكن مصلحةَ الحفاظِ على حُرْمَةِ الوقت وخشيةَ فوات وقت الصلاة هي التي جعلتْ سيدَنا عبد الرحمن يجتهد بالعمل بالمرجوح من إمامته للصلاة وعدم انتظار النبي صلى الله عليه وسلم.الخامسة: هاتان الواقعتان تدلّانِ على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أنه يصلي خلف أصحابه وهو سيد الأولين والآخرين، وهو الذي أَمَّ جميعَ الأنبياء والمرسلين في بيت المقدس ليلةَ الاسراء والمعراج. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على قُرَّةِ أَعيُنِنا وحبيبِ قلوبنا وتاجِ رؤوسِنا أبي القاسم محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ((فائدة لغوية وفقهية))سببها رؤيا؟!قديماً كنت أقرأ في كتاب الشوكاني رحمه الله”نيل ألأوطار” مسألة فقهية متعلقة بقوله صلى الله عليه وسلم : «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ».رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. فتساءلت في نفسي كيف تصفق النساء؟!هل تصفق بالطريقة المعروفة اليوم بضرب الكف على الكف؟!أو أن هناك طريقة خاصة بالصلاة؟!فنمت ليلتي تلك. فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنامفتذكرتُ مسألة التصفيقفقلت في نفسي: لأسئلن عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. فسلمت عليه وهو جالس فقلت: يا رسول الله أمرتَ المرأةَ أن تصفق في الصلاة فكيف تصفق؟فوضعَ النبي صلى الله عليه وسلم يده اليسرى على صدره وأخذ يضرب بباطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى. فسألتُ بعضَ من أثق بعلمه عن هذه الرؤيا فأرشدني بعضهم إلى البحث عن معنى التصفيق في لغة العرب لعل أن تجد قرينة تدل على صحة رؤياك. فراجعتُ شرح الحديث في فتح الباري للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فوجدتُ فيه ضالَّتي ومسألتيإذ يقول الحافظ: ضَرْبُ ظاهر الكف بباطن الكف الأخرى يسمى تصفيقا وضرب باطن الكف بباطن الكف الأخرى يسمى “تصفيحا” ومنها المصافحة. وقالت طائفة: ضَربُ ظاهر الكف بباطن الكف الأخرى يسمى تصفيحاوضرب باطن الكف بباطن الكف الأخرى يسمى تصفيقا ومنها”الصفق بالأسواق” وهو ما يقوم به البائع والمشتري من صفق يد أحدهما بيد الآخر بعد انعقاد الصفقة من البيع. انتهى قول الحافظ رحمه الله تعالى. قلت: والذي يترجح عندي هو المعنى الأول. لأنه أنسبُ لهيئة الصلاة وهو أن تضرب المرأة بباطن كفها اليمنى على ظاهر كفها اليسرى سواء أكانت في القيام أم في التشهد. ولا أزعم أن الرؤيا تفيد التشريع ولكنّها قرينة من القرائن وليست أصلاً في المسألة.

Similar Posts