من أدبيات هيئة علماء المسلمين في العراق: فضحُ التمييع والتلميع لجريمة الاعتراف والتطبيع

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

التطبيع مع المحتل الصهيوني الغاصب جريمة نكراء بكل المقاييس الشرعية والقانونية والأخلاقية والعرفية والفطرية والاجتماعيةوحينما نتكلم عن هذه الجريمة فإننا لا نتكلم عن مشكل من مشاكل الفهم السليم لها. ولا عن معضلة من معضلات التصور السوي لها. ولا عن مسألة معقدة من مسائل الفلسفة أو المنطق أو علم الكلام. ولا عن متشابه من المتشابهات الفكرية التي قد تشتبه على بعض دون بعض، إنما نتكلم عن جريمةٍ الحديثُ عنها هو حديثٌ عن ثابت من ثوابت الشرع الحنيف، وعن بديهة من بدهيات العقل والمنطق والفهم السليم، وعن مُسلَّم من مُسلَّمات الفطرة، وعن بند من بنود القوانين والمواثيق الدولية. فأما المقاييس الشرعية: فإن الإجماع منعقد على عدم جواز الاعتراف بأي كيان غاصب لشبر واحد من أرض الإسلام، وإن جهاد الدفع له عن تلك الأرض فرض عين على كل مسلم ومسلمة. وفي هذا الأصل تتكافأ أرض الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها عموماً، والأراضي المقدسة والمبجَّلَة والمعظَّمَة على الوجه الخصوص، وأعني بها بيتَ المقدس وأرض الحرميْن الشريفيْن في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه البقاع الثلاث في حديث واحد إشارةً منه صلى الله عليه وسلم إلى تكافئها واستوائها في الإجلال والتعظيم والتقدير مع فارق المكانة فيما بينها فإن أعظم أرض الله هي مكة المكرمة، ثم المدينة المنورة، ثم بيت المقدس فقال عليه الصلاة والسلام :(لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا الى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا) متفق عليه. وفي رواية للإمام أحمد في مسنده :(لا تُعْمَلُ المُطِيُّ إلّا الى ثلاثة مساجد) وذكرها. وهذا الجمع بين هذه المساجد الثلاثة تدل على خصوصية التعظيم أولاً، وعلى خصوصية حرمة الاغتصاب والاعتداء ثانياً، وعلى حرمة الاعتراف بأية يدٍ تستولي عليها غير أيدي المسلمين ثالثاً، ولا فرق في حرمة التطبيع وإقامة العلاقات بين محتل للمسجد الأقصى أو المحتل للحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة رابعاً. أنظر وتأمل يرحمك الله. ومن رأى مشروعية التطبيع بينه وبين العدو الغاصب للمسجد الأقصى، فإنه قطعاً يرى مشروعية التطبيع مع المحتل للحرمين الشريفيْن، إذ لا فرق بين هذا وذاك في الحكم الشرعي المُحَرِّمِ لاحتلال البقاع الثلاث المعظمة على حد سواء. ومن هنا تتبيَّنُ خطورة التطبيع مع العدو الصهيوني الغاصب للمسجد الأقصى، لأنه تمهيد للاعتراف بمن تسوِّلُ له نفسه باحتلال الحرميْن الشريفين لاحقاً والعياذ بالله، بناءً على قاعدة:واقع الحال. أنظر وتأمل يرحمك الله. وأما المقاييس القانونية فإن مواثيق الأمم المتحدة وبنودها في تقرير الحق العام للشعوب في التحرر والاستقلال تنص على مشروعية دفاع الشعوب عن نفسها بوجه كل مغتصب لأرضها بكل الوسائل المادية والمعنوية والإعلامية المتاحة. وأما المقاييس الأخلاقية فإن المروءة والشهامة تأبى لكل حرٍّ وشهمٍ وشريفٍ أن يسكت عن حق مغتصب له، وأن مروءته وحريته تستلزم أن يستردَّ ذلك الحق المغتصب وان اقتضى هذا الردُّ لذلك الحق أن يموت في سبيله. وأما المقاييس العرفية فإنه جرت أعراف الأخيار وعادات الأصلاء أن لا يناموا عن ضيم أو حيْف أو حق مغتصب حتى يُنتَزَعَ من براثن وأنياب المغتصِب. وأما المقاييس الفطرية فإن الله تعالى قد فطر كل خلقه على رفض اغتصاب أحد لأرضه أو بيته أو وَكرهِ أوعُشِّه. فإذا كانت الطيور والدوابُ تأبى ذلك الاغتصاب والاحتلال للعُشِّ أو الوَكْر أو المغارة، فإن الإنسان العاقل اللبيب الكريم العزيز أولى برفض ذلك الاغتصاب والاحتلال والانتهاك للأرض والعرض والمال. وأما المقاييس الاجتماعية فإن كل المجتمعات الإنسانية تأبى أن يحتل أحد أرضها أو يغتصبها ويتملكها ويطرد أهلها منها. فكل مطبع مع المحتل الصهيوني الغاصب قد خالف الشرع والعقل والمنطق والأعراف والعادات والتقاليد الدولية والإنسانية والفطرية والجِبلِّية التي فطر الله تعالى عليها جميع خلقه، فيكون في مثل هذه الحالة أسوأَ من الدواب والأنعام والطير والحشرات، فهل جرَّبَ أَحدٌ حظَّه يوماً بالاقتراب من خلية النحل أو الدبابير لينال نصيبه من اللدغ واللسع والوخز دفاعاً عن تلك الخلايا. قال الله تعالى في سورة الفرقان:((أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44).

Similar Posts