مسألتان في (السابقين والاجتهاد مع وجود النص)
الشيخ عبد المنعم البدراني
مسألة (1)
ما هو الفرق بين السابقين السابقين وأصحاب اليمين في سورة الواقعة
أولاً: وقبل التفريق بينهما يجب أن نعلم أنّ لفظة السابقين قد جاءت في القرآن على معنيين: عام وخاص.
فأما العام فهو المعنى المقصود في سورة الواقعة في قوله تعالى:((وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10)))
ويراد به كل أهل الإحسان من المسلمين ومن كل الأمم التي سبقت الإسلام فهؤلاء هم أعلى درجةً في الجنة من غيرهم.
وأما المعنى الخاص فهو المقصود في قوله تعالى في سورة التوبة:((وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)
فهذا معنى السابقين الخاص وهم المهاجرون والأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء هم سادة المسلمين في الدنيا والآخرة ويدخلون في المعنى العام للسابقين.
نقطة البحث هو المعنى العام للسابقين
والمعنى العام لأهل اليمين فهو يتضمن كل الأخيار من المسلمين ومن سبقهم من أصحاب اليمين من كل الأمم السابقة.
وبيَّنَ أهل العلم الفرق بينهما وأن السابقين أعلى درجةً من أهل اليمين في كل الأُمم من حيث كمال الإيمان.
فالإيمان يكمل وينقص وبذلك يتفاوت الناس في منازلهم عند اللَّهِ تعالى وفي الجنة.
وهذا التفريق قائم على كمال الدين أو نقصانه.
فان الأصل عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
فالسابقون السابقون هم أكمل الناس إيمانا لأنهم يأتون بالإيمان وشروط صحته وشروط كماله الواجب والمستحب، فهم موحدون ومصلون وهذه شروط الصحة إذ لا يصح إيمان إلّا بهما.
وهم يُزكّون ويصومون رمضان ويحجون البيت ويجتنبون الكبائر والموبقات من المعاصي وهذه شروط الكمال الواجب
ويأتون بالمستحبات ويتركون المكروهات وبعض المباحات وهذا هو شرط الكمال المستحب.
أما أصحاب اليمين فهم يأتون بالإيمان وشروط صحته.
ويأتون بشرط كماله الواجب.
ويقصرون في أداء بعض المستحبات، ويواقعون بعض المكروهات ويتوسعون في المباحات وهذا خلل في شرط الكمال المستحب.
وهو الفرق الذي جعل السابقين أعلى درجة منهم.
الملاحظ أن الفرق بين السابقين وأهل اليمين هو في أداء شرط الكمال المستحب المتعلق بفعل المستحبات وترك المكروهات وذلك مبني على قاعدة اصولية مهمة مفادها:
أن التخيير بين فعل المستحبات وببن تركها ليس تخييرا مطلقا.
وأن التخيير بين ترك المكروهات وبين فعلها ليس تخييرا مطلقا
أنظر وتأمل يرحمك الله
والدليل على أن هذا التخيير ليس مطلقا هو أنك تؤجر على فعل المستحب ولا تؤجر على تركه.
وكذلك فإنك تؤجر على ترك المكروه ولا تؤجر على فعله.
أنظر وتأمل يرحمك الله.
وهذا الفهم الدقيق لقضية التخيير بين فعل المستحبات وترك المكروهات وأنه ليس مطلقا قد هدى الله اليه السابقين وحجبه عن أصحاب اليمين فوقع التفاضل بينهما بسببه.
أنظر وتأمل يرحمك الله.
فاحرص على فعل المستحبات كحرصك على فعل الواجبات
واحرص على تجنب المكروهات كحرصك على تجنب المحرمات فإن هذا الحرص هو سبيلك إلى أن تكون من السابقين السابقين.
مسألة (2)
جواز الاجتهاد مع وجود النص للضرورة والاستثناء
فقول الأصوليين: لا اجتهاد مع النص هو الأصل ويجوز الخروج عن الأصل للضرورة والاستثناء.
ومنه ما وقع بين سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللَّهُ عنه وأرضاه، وبين سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي ائتمنه رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أسماء رؤوس المنافقين، فعن حذيفة قال: دعي عمر لجنازة، فخرج فيها، أو يريدها، فتعلقت به، فقلت: اجلس -يا أمير المؤمنين-، فإنه من أولئك. فقال: نشدتك بالله، أنا منهم؟ قال: “لا، ولا أبرئ أحدًا بعدك”.
ذكره ابن حجر الهيثمي في المجمع وعزاه الى البزار وقال: رجاله ثقاة
فالنص هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ائتمن حذيفة بن اليمان على سرِّ أسماء المنافقين، فلما سأل أميرُ المؤمنين عمرُ حذيفةَ:” نشدتك بالله، أنا منهم؟”
اجتهد سيدنا حذيفةُ فأفشى سرَّ رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:”لا، ولا أبرئ أحدًا بعدك”.
وهذا الجواب في ظاهرة مخالفة لأمر رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي ائتمنه عليه، ولكن الضرورة أجازت له أن يجتهد خلاف الأمر النبوي بتزكية أحد من الناس، فإنه إن لم يُجب أميرَ المؤمنين لظل في شك وحيرةٍ في أمره. فاضطر حذيفة اضطرارا أن يجتهد خلاف الأمر النبوي.
وأما الاستثناء فهو خروج عن الأصل، فالأصل هو وجوب المحافظة على سر رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والاستثناء حينما يكون السائل أمير المؤمنين الفاروق وهو أهلٌ للاستثناء في هذا الموضع الذي لا يحتمل الإسرار أو المراوغة أو الإنكار أو الامتناع عن الجواب لأن السائل أهلٌ للتزكية، فهو مزكّى في الأصل عند رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس في تزكية حذيفة له شيء جديد، إنما هو نوع توكيد لتزكية النبي صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسيدنا عمر وإثبات براءته من النفاق.