من أعلام الإصلاح في العراق (10) (الشيخ عبد الله النعمة)

بقلم : الدكتور مثنى حارث الضاري

هو: عبد الله بن محمد جرجيس بن محمد بن خلف بن حمزة بن محمد بن نعمة الله، ولد في (الموصل) سنة (1871م) وسط عدد كبير من الأبناء، في عائلة تعرف باسم أحد أجدادها (نعمة الله)، وهي من العوائل البكرية التي يعود نسبها إلى سيدنا (أبي بكر الصديق) رضي الله عنه، وتقطن في محلة (باب العراق) في منطقة (باب جديد) بالجانب الغربي من الموصل.درس (النعمة) مثل أقرانه في (الكتّاب) أولًا، وتعلم فيها القراءة والكتابة، ثم شرع في طلب العلوم الشرعية وعلوم الآلة على يد الشيخ محمد الرضواني) ت: 1942م)، وانتقل مدة إلى الشيخ سليمان الجليلي (ت: 1908م) بعد سفر (الرضواني) إلى الحجاز، ثم أكمل تحصيله عليه بعد أوبته، حتى نال الإجازة العلمية منه مع رفيقي الطلب وصديقي العمر: الشيخ (عثمان الديوه جي) وأخوه (الشيخ أحمد الديوه جي) سنة (1319ه). عمل الشيخ النعمة خطيبًا في جامع (الجويجاتي)، واختير لإدارة (المدرسة الإسلامية الدينية) في الجامع الكبير سنة (1921م)، “التي خرَّجت الكثير من العلماء العاملين”، ثم نقل إلى جامع (الباشا) المعروف وسط أسواق (باب السراي)، وشارك في تأسيس (جمعية الشبان المسلمين) و(جمعية البر الإسلامية). ودرس عليه وأخذ عنه: شقيقه الشاعر (نعمة الله النعمة)، وابن أخيه الشيخ (عمر النعمة)، والشيخ (بشير الصقال) الذي أخذ عنه الإجازة العلمية سنة (1349ه)، والأديب والباحث (محمود الملاح) والشيخ (داود الملاح) الشاعر المعروف بـ (بلبل الحدباء)، و(ضياء يونس) و(محمد شيت خطاب)، والشيخ (محمد سعيد الجوادي) والشيخ (محمد محمود الصواف) والشيخ (محمد علي إلياس العدواني)، وغيرهم -رحمهم الله جميعًا-.وكان -رحمه الله-يقيم حفلًا كبيرًا لطلبته المتخرجين ويمنحهم الإجازة العلمية بمحضر جمع كبير من أهل الموصل، وقد ضمت آخر دفعة أجازها: الشيخ (أحمد حسين المسدي) و(الشيخ محمد علي السيد عزيز) والشيخ (عمر النعمة) والشيخ (محمد الصواف)، في حفل كبير أقيم في ساحة المدرسة الإعدادية في الموصل، وصفه الشيخ الصواف بأنه كان: “يومًا مشهودًا في الموصل؛ إذ إن ميلاد العلماء، وتكوين العلماء، وإجازة العلماء؛ تبعث في الناس نشوة من الفرح والسرور وتشيع في أوساطهم الأمل والطمأنينة”.النعمة: مؤلفًا وشاعرًاغلبت على مؤلفات الشيخ (النعمة) الحاجة الضرورية؛ فقد اقتصرت في الغالب على النظم، وتحديدًا نظم المتون العلمية التي هي مقصود طلبة العلم، ومن ذلك: (نظم قواعد الإعراب لابن هشام) و(نظم كتاب المقصود في الصرف) و(نظم الرسالة العضدية في علم الوضع)، فضلًا عن (فوائد علمية وأدبية لمسائل دينية عدة) و(ديوان خطبه) التي ألقاها في جامع (الباشا)، ونشرها الشيخ الصواف لاحقًا، وقدم لها: الدكتور محمد تقي الدين الهلالي والشيخ محمد صالح السهروردي. واعتذر الصواف لقلة مؤلفاته شيخه، قائلًا: “انشغال أستاذنا وشيخنا بالأعمال العامة وقيامه بالدعوة إلى الله شغلته عن التأليف وباعدت بينه وبين التدوين إلا النزر اليسير، وهذا النزر فيه بركة وعلى رأسه ديوان الخطب المنبرية الذي أقدمه اليوم للقراء وهو كنز من العلوم وفيض من علمه الغزير رحمه الله”.و(النعمة) شاعر كما تنص على ذلك المصادر المؤرخة له وعارفوه من تلامذته ومعاصريه، يقول تلميذه محمود الملاح: “كان ينظم الشعر، ويقرأه على سبيل التفكه حتى المدة الأخيرة من حياته”؛ ولكن غالب شعره مفقود، ولم تصلنا منه إلا بضعة أبيات، نحو قوله مهنئًا بعودة (الملا عثمان الموصلي) إلى الموصل: لقد عاد للأهلين من كان غائبا وأحيا لكل عند رؤيته القلبافحق لهم أن يزدهوا بهجة كما بمقدم عثمان قد ازدهت الحدباوقوله:أسفي على فضل يضيع ببلدة الفضل فيها والفضول سواءقلّدتها الدر النظيم فقيل لي بالدر كيف تقلّـِد الحدباءويشبهه في قلة الشعر المنقول عنه؛ شقيقه (نعمة الله النعمة)، الذي كان شاعرًا معروفًا؛ ولكن لم يبق من آثاره الشعرية إلا القليل مما نشر في الصحف والمجلات؛ بعد فقدان ديوان شعره المحفوظ في دفتر خاص، كان يسميه (النفائس).النعمة: ثائرًا ومجاهدًا وطنيًاشارك الشيخ (النعمة) في العمل الوطني مشاركة جادة، وكانت له فيه مواقف مهمة ولا سيما أثناء الاحتلال البريطاني للعراق. وقد أشار إلى مواقفه الوطنية الجهادية هذه معاصروه وعارفوه، ونبه عليها بعض تلاميذه كمحمود الملاح، الذي يقول عنه: “كان مجاهدًا ضد المحتلين الإنكليز بالكلمة والموقف”، والشيخ الصواف في إشادته بـ(وطنية) الشيخ (النعمة)، التي أفردها بعنوان خاص في مقدمته لديوان خطبه، قائلًا: “كان العامل الأكبر في مقاومة الاستعمار وإيقاد أوار الثورة، وكان يساعده في ذلك تلامذته، ويذهب بكتبه إلى العشائر طلابه. وإذا ما ذكرنا قادة الثورة العراقية كان الإمام -رحمه الله-تعالى في الطليعة والرجل المستشار في إدارتها والمرجع في حمي وطيسها”. ويظهر النص المتقدم مكانة الشيخ (النعمة) الكبيرة في الموصل، والمراسلات التي كانت تجري بينه وبين العشائر لاستنهاض هممها، وهو عين ما كان يفعله غيره من العلماء في مناطق أخرى، نحو: الشيخ (يوسف السويدي) في بغداد، والشيخ (محمد سعيد النقشبندي) في ديالى وبغداد، وغيرهم. ويظهر النص أيضًا أثر طلابه في هذا التواصل، ولا سيما إذا ما علمنا أن اثنين من قادة الحركة الوطنية والجهادية في الموصل حينها؛ كانا من طلابه أو الآخذين عنه والمستفيدين منه، وهما: (محمد رؤوف الغلامي) معتمد جمعية (العلم) رائدة العمل الوطني في الموصل، وزميله (ضياء يونس)، وهما من الناشطين في التحضير لثورة العشرين في الموصل، وما سبقها من أحداث وطنية، وثورة شمال العراق سنة (1919م). ومن الجوانب الأخرى التي تكشف عن جهود الشيخ الوطنية مشاركته في التوقيع على المضابط والرسائل، التي كانت من الوسائل الرائجة في العمل الوطني وقتها؛ فقد كان في طليعة الموقعين عليها من العلماء، ومنها: مضبطة أهالي مدينة الموصل التوكيلية لجمعية (العلم) سنة (1919م)، للدفاع عن منطقة الموصل وتمثيلها في مؤتمر الصلح وعصبة الأمم ، ومضبطة ثانية بشأن التخويل لتمثيل الموصل في “مؤتمر الصلح العام ومجلس عصبة الأمم وسائر المحافل السياسية والمقامات الرسمية الدولية” للمطالبة “بحقوقنا والسعي في سبيل استقلال قطرنا بما فيه الجزيرة استقلالًا تامًا، وتأمين وتوثيق رابطتنا بالدولة العربية المعترف باستقلالها…” .وقد كانت هذه الجهود واللقاءات والاجتماعات مرصودة من سلطات الاحتلال البريطاني، ولاسيما بعد اندلاع ثورة العشرين وتصاعد نشاط الوطنيين في الموصل، ومن ذلك ما ورد في تقرير لشرطة الموصل موجه إلى قيادتها في بغداد، يفيد بعقد اجتماع (مولود نبوي) معاد للبريطانيين بعد صلاة الجمعة في جامع النبي جرجيس في (1/8/1920م)، حضره عدد من علماء ووجهاء الموصل، ومنهم: (محمد حبيب العبيدي) رئيسًا للاجتماع و(سعيد ثابت) كاتبًا له، و(عبد الله أفندي النعمة)، وغيرهم.النعمة: مصلحًا واعيًاعلى الرغم من سعة تأثير الشيخ (النعمة) في الموصل وما حولها، وكثرة طلابه، وتنوع جهوده العلمية والدعوية والوطنية والاجتماعية؛ فإننا لا نجد مادة كبيرة عن حياته تتيح لنا التأريخ له ولأعماله بيسر، ولابد للباحث في تأريخه من التقاط فتات المعلومات من هنا وهناك عن طريق تلاميذه، أو بعض مناشطه العلمية والدعوية المنثورة في طيات الكتب والمذكرات. وتكاد رحلته للحج سنة (1937م) ومصر وبيت المقدس ولقائه بكبار علمائهما، في طريق عودته إلى العراق؛ تكون عنوانًا عامًا في مسيرة حياته التي لا نعرف عن تفاصيلها شيئًا.ولولا ما كتبه تلميذه محمود الملاح من مقالات، جمعها لاحقها تلميذه وابن أخيه الشيخ عمر النعمة بعنوان: “التحديث بالنعمة من حياة الشيخ الكبير الأستاذ عبد الله محمد جرجيس النعمة”، وما كتبه تلميذه الآخر الشيخ الصواف في مقدمة طبعه لديوان خطبه؛ لفقدنا كثيرًا من أخباره وأخبار غيره، ولعل هذا هو ما دعا ناشر مقالات الملاح الأستاذ (محمد طه الفياض)، إلى وصف هذه المقالات بأنها تجلو “صفحات خفية من تاريخ الحدباء المحمية”.وكذلك هو الحال في جهود الشيخ (النعمة) الإصلاحية؛ فعلى الرغم من وصف الملاح له بأنه: “كان عالمًا متنورًا مصلحًا. أسس المدرسة الإسلامية في الموصل…”، وقول المؤرخ سعيد الديوه جي: “كان من العلماء العاملين في نشر العلم والجهاد في سبيل الحق”؛ إلا أن الشائع عنه فقط هو وصفه بأنه كان منددًا “باتخاذ القبور أندادًا من دون الله واللجوء إليها في الشدائد”. ومن هنا كان لزامًا الكشف عن مظاهر إصلاح الشيخ النعمة وآثاره في طلبته وبيئته ومدينته وبلده، التي تبدو في أربعة أمور، هي: أولًا: أفكاره ومنهجه في التعليم وتأثيره في تلاميذه؛ حيث يظهر إصلاحه في دعوته لنبذ المنكرات والمبتدعات في العقائد والأعراف الاجتماعية المخالفة لأحكام الشرع وعوائده والطباع السليمة، التي كان بعضها منتشرًا في زمانه ولا تجد نكيرًا كبيرًا عليها. وللشيخ (النعمة) في هذا أسوة بشيخه (الرضواني) وأسلافه من علماء الموصل المتقدمين، الذين نهجوا هذا النهج كالشيخ أحمد الجميلي (ت: 1756م)، والشيخ (أحمد بن الكولة) (ت: 1173هـ-1759م)، ونجله الشيخ (محمد الكولة). يقول (محمود الملاح): “كان عظيمًا في كل شيء فالشيخ النعمة عبد الله كان نسخة من أستاذه الرضواني في النزاهة والاستقامة والمحافظة على آداب الشريعة الإسلامية الغراء ومراقبة الله في السر والعلن والحركة والسكون والخصوص والعموم…”.ويبدو إصلاحه ثانيًا: في منهجه التعليمي وطريقته في الدرس، التي كانت لا تقتصر على إيصال المعلومات العلمية وتدريب عقول تلاميذه على الاستنتاج والتحليل فحسب، وإنما كانت تشمل اطلاعهم على أفكار المجددين ودعاة الإصلاح في زمانه، والتنبيه على آثارهم، ونصح طلابه بالاستفادة منها، ومن ذلك ما يرويه عنه تلميذه محمود الملاح، وكيف أنه قرأ له ذات يوم قصيدة نظمها في مدح (عبد الرحمن الكواكبي) وحثه على قراءة كتبه ومتابعة آثاره. وفي هذا السياق كان الشيخ (النعمة) حريصًا على توفير ما يمكنه من الكتب الخادمة لهذا التوجه، وإدخالها للموصل وإتاحتها لتلاميذه. وقد تعرض لمضايقات واتهامات بالضلال بسبب ذلك.ويقول الصواف عن منهج الشيخ (النعمة) وطريقته التربوية: “قامت بنا وعلمتنا طائفة من العلماء، وفي الجامع الكبير أسست مدرسة إسلامية كبيرة يرأسها العلماء، ومديرها هو شيخي وأستاذي الذي أجازني في العلم وهو الشيخ عبد الله النعمة. ومن شيوخها الشيخ محمد طاهر أفندي، ومن أساتذتها عبد القادر أفندي وأحمد سعد الدين رحمهم الله جميعًا… وكان في المدرسة خير كثير وطريقة فريدة للتعامل مع الطلاب وتشجيعهم…”.والمظهر الثالث لإصلاح الشيخ (النعمة)؛ هو تأثيره الطاغي في تلاميذه، الذين تشربوا مذهبه الإصلاحي واعتمدوا طريقته في التوعية وبث الأفكار، وعرفوا بها، ولاسيما: محمود الملاح والصقال والصواف وعمر النعمة -رحمهم الله جميعًا-. أما المظهر الرابع من مظاهر إصلاحه؛ فهو مشاركته في الجهود والمبادرات المجتمعية والخلطة بالناس والعمل على بث الوعي والإصلاح فيهم، ومن ذلك مشاركته في تأسيس (جمعية البر) وقبوله رئاستها؛ حيث تشير المصادر إلى كلمتين له في افتتاح الجمعية وافتتاح الميتم التابع لها، دعا في الأولى منهما إلى “دعم الجمعية ووضح أهميتها ودورها في المجتمع الموصلي، وحاجة الناس إليها في وقت لم تمض على الموصل فترة قصيرة على خروجها من الحرب ومشكلة الموصل وملابساتها”. ورأس الجمعية بعد وفاته -رحمه الله-تلميذه الشيخ (بشير الصقال).ومن ذلك أيضًا مشاركته في تأسيس جمعية (الشبان المسلمين) ورئاسته لها. يقول الشيخ الصواف: “رحم الله أستاذنا الكبير الشيخ عبد الله النعمة رئيس الجمعية، ورحم الله أخانا الكبير الأستاذ بشير الصقال أمين عام الجمعية، فقد كان لهما الفضل والأثر الكبير في نجاحها وتقدمها ونشاطها”. وعن فكرة تأسيس الجمعية ومقاصدها يقول الشيخ الصواف: “قام بعض العلماء وأسسوا الجمعيات وجعلوها وسيلة لنشر الفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية، وقد… اتصلت بهذه الجمعيات لأن مؤسسيها من شيوخي وأساتذتي… وأسسنا في الموصل في الثلاثينات أول جمعية إسلامية وهي جمعية الشبان المسلمين… وكانت الجمعية محط الشاب ومجمعهم الذي بدأ بالدعوة الإسلامية في الموصل، وأقبل عليهم الناس”. وقامت هذه الجمعية بجهود غير مسبوقة وقتها، منها: زيارة السجناء في سجونهم ووعظهم وتوجيههم وتصبيرهم وتبصيرهم بدينهم، فضلًا عن فتح مدارس لمكافحة الأمية لكبار السن، وإقامة محاضرات في نوادي الضباط وثكنات الجيش.ومن ذلك أيضًا؛ عقده مجالس الوعظ العام خارج المساجد؛ حيث كان -رحمه الله-“يعقد مجالس الوعظ في الجامع، وفي داره ليلة الجمعة من كل أسبوع فتفيض الدار بالسامعين الذين يسعون إليه من كل طرف. ولوعظه تأثير فهو يفسر آیات الله، ويشرح ما فيها من معاملات وأخلاق ويفند الأوهام والأساطير التي دسها المغرضون، فكان وعظه مدرسة تيقظ وإصلاح”. وفي هذا الصدد يقول الدكتور تقي الدين الهلالي، الذي استوطن (الموصل) مدة من الزمن: “كان الشيخ عبد الله النعمة… يلقي دروس القرآن في بيته مدة طويلة من الزمان يختمه ثم يبدأه من جديد، ويحضره كثير من الناس إلى أن توفي رحمه الله”. ويذكر بعض تلاميذ الشيخ (النعمة)؛ أنه قد ختم القرآن قراءة وتفسيرًا مرتين في داره خلال أربعين سنة، وكان بيته بمثابة المدرسة التي خرجت كثيرين.وبعد فقد كان النعمة على صلة بالمصلحين أمثاله ومتواصلا مع دعاة النهوض بالعلوم والمجتمع نهوضًا واعيًا منضبطًا متدرجًا، غير متهور أو مستعجل، أو فاقدٍ لشروط النهضة المطلوبة، ومن ذلك صلته بالعلامة محمود شكري الألوسي أيام نفيه في الموصل، وما كان يتركه من أثر طيب وجميل في دعاة عصره ومصلحيه الذين سمحت له الظروف أن يلتقيهم، نحو: الأستاذ (مسعود الندوي) من الهند، والدكتور (تقي الدين الهلالي) من المغرب.النعمة: مودعًا لدنياناتوفي الشيخ النعمة -رحمه الله-بالموصل في (3/11/1369ه) الموافق (17/8/1950م).

Similar Posts