التجديد في علم أصول الفقه معنى “أصول الفقه”
بقلم : د . محمد الحاج عيسى
أول شيء ينبغي معالجته عند البحث في تجديد علم أصول الفقه هو تصحيح مفهومه الذي يرتبط بمجالات إعماله، حيث تؤكد المؤلفات في هذا الفن على ارتباطه بالفقه بمعناه الاصطلاحي الخاص بالأحكام العملية، وفي تقديري أن في هذا الحصر خطأ، وأنه ينبغي أن يحمل الفقه هنا على المعنى الشرعي العام الذي هو فهم الدين من خلال نصوصه أصولا وفروعا، فقواعد الاستنباط وقواعد التعامل مع الأخبار لا تختص بالفقه الاصطلاحي من الناحية التطبيقية، بل تتعدى صلاحيتها إلى نصوص العقائد وغيرها، ومن تعمق في دراسة العقيدة بأدلتها أو الخلافات العقدية وكذا من نظر في أصول الفقه المقارن بين المدارس الكلامية أدرك العلاقة الوطيدة بين أصول الفقه والعقيدة؛ إذ جل الآراء الأصولية الخلافية بين الاشاعرة والمعتزلة خلفيتها عقدية، كما أن الخلافات الأصولية بين الحنفية وجمهور الفقهاء خلفيتها فقهية، ومن أمثلة ذلك إنكار النقل والحقائق الشرعية عند الأشاعرة هو مرتبط ارتباطا وثيقا بمسألة الإيمان، وإنكارهم للعموم وصيغه سببه مسألة الوعيد ونصوصه العامة التي تمسك بها المعتزلة..وغيرها من المسائل كثير..ونحن نعتقد أن مسائل الاعتقاد مرجعها لنصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة؛ ومنه فلا مناص من اعتماد قواعد أصول الفقه في فهم هذه النصوص وإعمال هذه الإجماعات، وبسبب اعتقاد خصوصية هذا العلم بالفقه الاصطلاحي ظهر في هذا العصر علم جديد عنوانه أصول التفسير، ولو أننا فهمنا المقصود من هذا العلم على وجهه لم نكن بحاجة إلى ذلك..وإذا نظرنا في سبب تأليف الشافعي للرسالة نجد حكاية أبي ثور أن ابن مهدي طلب منه أن يضع كتابا في “معاني القرآن ويجمع قبول الأخبار فيه وحجة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن”، قال:” فوضع له كتاب الرسالة”..فالمطلوب كان أصول فهم القرآن، والشافعي لما الف هذا الكتاب لم يعطه هذا اللقب المشهور الآن، وقد وجدته في “الأم” عبر عن هذا العلم بعبارة “أصول العلم” وهي التسمية نفسها الواردة على لسان الإمام أحمد وهو يعرِّف بالرسالة لإسحاق بن راهويه حيث قال:” هي تدلك على عوام أصول العلم”، وكذلك عبر عنه ابن ابي حاتم في كتاب آداب الشافعي وابن عبد البر في جامع بيان العلم..إذن هذه القواعد هي أصول العلم عموما لا الفقه خصوصا، الذي يسلم أن أغلب المشتغلين بهذا الفن في طوره الأول هم الفقهاء وأن أغلب تطبيقاته وأمثلته فقهية وأن الحاجة إليه في باب الفقه أكثر، ولكن هذا لا يمنع ما ذكرنا من عموم الاستعمال في جميع أبواب الدين وعلومه ؛ فهذا العلم هو الذي يحدد مصادر الدين عقيدة وفقها وسلوكا وهو الذي يضبط قواعد فهم هذه المصادر وترتيبها والتعامل معها..
إن علم أصول الفقه هو علم أصول التفكير الإسلامي، وهو علم المنطق الاسلامي والآلة العاصمة للذهن من الخطأ في فهم الدين، وهو “منهج بحث ومعرفة” كما عبر طه جابر العلواني رحمه الله ، وجموده هو جمود التفكير الإسلامي، وتحريفه هو تحريف للمنهج الاسلامي، والإعراض عنه وتفضيل أساليب اليونان القديمة أو مناهج الغرب الحديثة عليه ؛ هو من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.