تحرّك التيار ضد الإطار .. غضبة المصلحين أم صراع الفاسدين
بقلم : الناقد أدهم الشبيب
يسمع العرب عن طريق وسائل الإعلام-التي أقرأها- إن التيار الصدري قاطع العملية السياسية وهو معترض على الطرف المعطّل لتشكيل الحكومة المتأخرة منذ عشرة أشهر!
و ينقل الإعلام الغربي -الذي أتابعه أيضا-إلى مواطنيهم أن هناك قطاعا شعبيا كبيرا من تابعي “رجل دين” اسمه مقتدى و أبوه ناضل ضد “صدام” ، يتظاهرون ويدخلون الخضراء ويحتلون البرلمان غضبا على الفاسدين الذين فيه.!
و يتابع العراقيون -بشغف و انعدام صبر- أن فئة منهم يسمون التيار يقاطع مرة ويشارك مرة ويهدد مرة ويزعل مرة وينسحب مرة ويعود مرة أخرى، وهكذا دواليك، وهو مشترك في كل الحكومات منذ قدوم أمريكا إلى اليوم وبنسبة كبيرة وتأثير كبير أحيانا يفوق الآخرين، فيبدو للرائين غير المنتبهين من العراقيين أن هؤلاء -والكاظمي- يقودون ثورة إصلاحية أو غضبة تأديبية ضد الفاسدين من أجل إعادة الحياة والاستقلالية والخدمات للشعب المسكين.
ولكننا عندما نجرد ال 19 سنة ومشاركة هؤلاء “المصلحين” لن نقرأ أو نسمع وما سمعنا أصلا أنهم أقالوا فاسدا، أو أوقفوا غلاء أو ثبتوا عملة أو منعوا خفضا للدينار، أو أعادوا حقا، أو أطلقوا معتقلا، أو منعوا إيرانيا، أو ردوا خليجيا أو فاوضوا تركيا.
ولا سمعنا أن محافظيهم ووزراءهم بلطوا شارعا أو بنوا مدرسة أو فتحوا مستشفى أو سنوا قانونا أو أطلقوا تعويضات، أو حتى منعوا طائفية أو حفظوا لأحد كرامة!
فما داعي التصارع إذن والتراشق والتقاتل والتصادم إن كان دائميا أم (زعل حبايب)! إذا كان الطرف المفسد هو هكذا منذ عشرين سنة وأنت مشارك له في الحكومة والقرارات والقوانين جميعا، وإذا كان “المصلح” أفسد من الفاسد، وقد هدم وزارة الصحة وخدماتها وهي من حصته عشرين سنة، ومحافظة بغداد تحولت إلى قرية خربة، والجواز العراقي (صفر) والاقتصاد العراقي (صفرين) والتعليم (ثلاثة أصفار) والصحة (أربعة) والمستوى المعيشي (خمسة أصفار).
فما هو التصارع إذن ولأي شيء التظاهرات؟ فقط لكي تكون الحكومة مشكلة من قبل هذا الفاسد الطائفي الجاهل، وليس من ذاك الفاسد الطائفي الجاهل الآخر! وماضرنا نحن وما نفعنا، إن كان الذي يقتلني أحمرا أم أصفرا، مبتسما أم متعكرا، شامتا أم محبا.
فماضرّني بالسيف متّ أم القنا ،،، إذا كان جرحي في النهاية مثخنا
تعال عزيزي القارئ نعقد مقارنة بين مظاهرات الصدريين وانتفاضة تشرين
التشرينيون عام 2019-2020 تظاهروا بل انتفضوا من أجل العراق دون تسميات و دون اختلافات ولهدف واحد هو إزاحة كل الطغمة التابعة (إيرانيا – أمريكيا- شرقيا – غربيا) ، الصدريون تظاهروا من أجل السلطة بغطاء محاربة الفساد، والأهداف مناطقية أو طائفية أو شخصية حتى.
التشرينيون نُكل بهم وحوربوا وقتلوا حتى من قبل الصدريين في الفترة الأخيرة من الانتفاضة بعد أن عاد الصدريون واتفقوا مع بقية الأطراف وهادنوهم “كالمعتاد” و انقلب الموقف ،بينما مظاهرات التيار الصدري تلاقى بالورود وفتح أبواب المؤسسات الحكومية بل وحتى المنطقة الخضراء المحصنة.
التشرينيون عندما فكروا عبور جسر الجمهورية فقط، بدأ قصفهم بالطائرات والغاز ورميهم بالرصاص الحي وظهر الطرف الثالث واختطفت المتظاهرات واغتصبن وقتل الشباب، بينما المتظاهرون اليوم من أتباع التيار فتحت لهم الخضراء ودخلوا البرلمان ، وشربوا شاي “وصلوا ركعتين” و(حب عمك وطلعوا).
التشرينيون لم يتراجعوا إلى أن خسروا حياتهم وقوتهم وزخمهم واتفق ضدهم كل العالم بما فيه أوروبا والأمم المتحدة وامتص غضبهم بتغيير رئيس الوزراء بلعبة الكاذبي ، بينما الصدريون يتظاهرون حتى إذا وصلوا إلى نقطة تحقيق الهدف الذي ينتظره الشعب ينسحبون.
المظاهرات الصدرية تنافس شيعي- شيعي على السلطة وإبراز عضلات ووجود ونفوذ، لا علاقة له باستقلال العراق أو بنائه، الانتفاضة التشرينية صراع شعبي عام من جهة وحكومي إقليمي دولي من جهة أخرى.
المظاهرات التشرينية ثورة على الفساد والرموز الميليشياوية والسلاح المنفلت والتبعية، مظاهرات الصدريين استبدال السلاح المنفلت بسلاح منفلت آخر، واستبدال التبعية بصنمية، واستبدال فاشلين بالوزارات والخدمات بفاشلين آخرين من نفس الطراز أو أقل كفاءة.
الانتفاضة التشرينية حوربت من إيران وأمريكا، والمظاهرات الصدرية مقبولة من إيران وأمريكا ومن جميع الأطراف التي تدعم بقاء العراق خارج مستوى الدول ….
فلماذا يا ترى!