صحيفة البصائر العراقية.. انتفاضة قلم.. وقاص القاضي

كثيرة الأقلام التي كتبت، ولكن قليلة تلك التي خطت وأبقت آثراً ، فالعبرة ليس بمن ينثر سطرا لربما كان مفرغا من المعاني أو ذاك الذي يفيض سردا يخلوا من المقاصد .

المرحلة لم تكن لتحتمل الإعجاز والتنظير لإيصال رسالة عبر النقر على أزرار مفاتيح حروف تدون كل مُبهم وكأن الأمر استعراض عند قارعة رصيف عكاظ ضن البعض انه سوق ومعرض.

هكذا طغى الطابع العام لمرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 على الماكينة الإعلامية التي تسلقها الكثيرون من تجار الكلمة عبر دكاكين روجت لبضاعة المدح والذم لمن يدفع أكثر متجاوزة معايير الرصانة ومخلة بآداب المهنة ودون أن تراعي فصول مأساة مرت بها البلاد بذريعة الترويج لمستقبل وردي زاهر وأن ما يجري كان مجرد مخاض لعملية انتقال من الظلمات إلى النور وأن عهدا مفعم بالديمقراطي سيأتي بعد ذلك وإن سالت بحور الدم عند أطرافه ، فنساق خلف تلك الكذبة كل خوانٍ وجد في خضم الفوضى فتات لقمة تَسوَلها دون ذمه.

فتنة عصفت برياحها , فألقت بأناس على وجوههم وعار الخذلان رسم ختمه على جباههم , فيما ازداد آخرون قوة وإصرارا بأن تلبية الدعوة والاستنصار لها من الإيمان ، فكانت البصائر ، تلك الصحيفة العراقية التي أحرجت الكثيرين بخطها الوطني والمدافع عن الحقوق المسلوبة بعد أن استباح الغاصبون البلاد واسترخصه من ضنوا أنهم فيه سيقضون أروع نزهة.

           

أربعة عشرة عاما مضت منذ تأسيس تلك الصحيفة التي كانت ضمن مؤسسة إعلامية تابعة لهيئة علماء المسلمين في العراق ، حيث صدر أول عدد لها بتاريخ الثاني من آب/أغسطس عام 2003م ، أي بعد أسابيع فقط من الغزو الأمريكي للعراق ، ليزامن صدى الحق فيها مع صوت أزيز رصاص المقاومة العراقية ، وليرسم كلاهما أروع بانوراما وثقت شجاعة شعب ابهر العالم باستبساله ونقشت بأسطر من الدم صفحات مشرقة خلدها التاريخ وباتت منارا لعشاق التحرر ونبذ الطائفية العبودية.

التحقت بالعمل في الصحيفة عام 2008 بعد أن وجدت فيها صدق النوايا وتفردها بجرأة الطرح وعدم المداهنة والمهادنة ، فكانت سباقة عبر صفحاتها المتنوعة في أن ترصد الحقائق وتعرضها دون رتوش أو تزويق أخذة بنظر الاعتبار وجوب احترام حقوق القارئ وعدم محاولة فرض القناعات عليه.

لم يرق التوجه العام للصحيفة الكثيرين ممن عدوها خطرا يتهدد مصالحهم الشخصية والحزبية ، فنصبوا لها العداء وتربصوا بها الدوائر وحاولوا شيطنتها بعد أن لمسوا حجم الإقبال الشعبي المتزايد على تتبعها وتصفح محتواها الذي زاوج بين فضح المخططات المشبوهة من جهة وبث روح الحماس في نفوس الجماهير من اجل مواصلة نهج الممانعة ومقاومة محاولات مسخ هويته من جهة أخرى .

فاخذ جهاز المخابرات الحكومي على عاتقة هذه المهمة رغم انه من المفروض أن يكون دوره مقتصرا على حماية البلاد من المخططات الخارجية لا تكميم الأفواه ومصادرة الحريات ، فقام في أيلول من عام 2011 باعتقال كادر الصحيفة وزجه بالسجن بتهم واهية ومفبركة ، ودون أدلة وبراهين منطقية ومقنعه وهو ما أطال من فترة سجننا لنحو عام ونصف ، ومن السخرية بمكان أن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كان يتحدى ضمن مؤتمراته الصحفية الإتيان بدليل على أن في سجونه صحفيين أو أصحاب رأي ورأي أخر , وأستمر الحال على هذا المنوال حتى حان موعد جلسة المحاكمة والوقوف أمام القاضي الذي لم يراعي حقوقنا كإعلاميين ضمن دولة ادعت أنها مؤسساتية لا استخباري أو عسكرية أو قمعية , فقرأ علينا التهم الموجه لنا بطريقة استفزازية لم تخلوا من الإضافات الاجتهادية له وبأسلوب ازدرانا فيه وكأننا إرهابيون ، ثم جاء دور قراءة المدعي العام لعريضته والتي طالب فيها بإطلاق سراحنا فورا في ظل عدم وجود أدلة على إننا كنا نحرض ضد العملية السياسية وندفع باتجاه تصعيد العنف في البلاد ، إلا أن القرار كان قد أخذ مسبقا ولم تجد الدعوات ببراءتنا أذانً صاغية سوى لدى القاضي المساعد الذي رفض توقيع قرار الحكم بالسجن علينا لمدة عام وفق المادة 210 من قانون العقوبات لعدم قناعته بصحة الدعوة أساساً .

 

فكانت تلك التجربة المريرة من حياتنا فارقة ضمن مسيرة عملنا والتي لم ترهبنا أو تدفعنا للتوقف عن أداء رسالتنا وان اختلفت الوسائل فالهدف سيبقى واحد طالما إن البلاد ما زالت تأن بأوجاعها .

Similar Posts