البصائر إذ تدرك بصيرتها… د. رافع الفلاحي

من يقرا تاريخ الصحافة العراقية في العصر الحديث ،سيجد  ان بعض بصمات المقاومة والممانعة الشعبية العراقية للأوضاع البائسة التي عاشها العراق في ظل تبعيته واحتلاله بريطانيا في بداية القرن الماضي ومن ثم امريكيا ايرانيا، كانت واضحة ومميزة  في أوراق العديد من الصحف العراقية (على الأقل خلال اكثر من قرن مضى)،ولعل  قراءة في بعض أعداد  صحيفتي (نينوى) التي صدرت في الخامس عشر من تموز عام 1909 و(النجاح) التي صدرت في الثاني والعشرين من شهر كانون الثاني عام 1912، وحتى صفحات مجلة (لغة العرب) التي اصدرها انستاس ماري الكرملي عام 1911،وصحيفة النهضة التي اصدرها مزاحم الباجه جي عام 1913.. تبين بعض خطوط تلك المقاومة والممانعة من خلال مقالات ودراسات  كانت تدعو العراقيين لليقظة وضرورة التخلص من الاحتلال مهما كان جنسه ومهما كانت شعاراته ومبرراته، فضلا عن اسهامات هذه الصحف وغيرها في حملات مركزة هدفها تنمية روح المواطنة والوقوف ضد النعرات الطائفية، وكانت هذه الصحف تواجه على الساحة صحفا اخرى  حرصت على ان تكون اداة بيد المحتلين وبوقا لدعياتهم واكاذيبهم، وقد ظهر ذلك جليا في العقد الاول من عمر  الاحتلال البريطاني  للعراق،  ففي الفترة المحصورة بين بداية الاحتلال البريطاني عام 1914 واعلان تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921،  حرص المحتل البريطاني  مثلما حرص المحتل الامريكي فيما بعد في عام 2003 وحتى اليوم، على إصدار صحف تعبر عن سياساتهم ووجهات نظرهم، فقد اسسوا او دعموا بعض الصحف لغرض استعمالها  في مخاطبة العراقيين والقول انهم ليسوا غزاة ،بل أصحاب عدل ورواد حرية ، وقد كانت صحف (صدى الحقيقة) و(العرب) البغداديتين وصحيفة(الاوقات) البصرية، خير مثال على تلك الصحف الأجيرة والعميلة التي تبنت سياسة الترويح للاحتلال البريطاني ،في مسعى واضح لصناعة رأي عام عراقي مؤيد للاحتلال وسائر وفقا لخطوط سياساته، وقد بذلت المستشار الشرقي البريطاني المس بيل (الخاتون) ،جهودا كبيرة في تأسيس واصدار ودعم هذه الصحف واختيار حتى الاسماء المناسبة لها،  فالعرب وصدى الحقيقة (مثلا) ،اسماء تنطوي على معاني مضللة بخاصة في أوقات الفوضى وعدم الاستقرار، وشاركها في ذلك الجهد السياسي والاعلامي والاستخباري، جون فيلبي المستشار البريطاني المعروف.

فيما كانت على الجانب الاخر صحف وطنية تتبنى  التعبير عن هموم العراقيين وآمالهم في الحرية والاستقلال، كصحيفة الاستقلال وصحيفة دجلة وصحيفة البديع، وغيرها من الصحف التي وقفت جميعها ضد الاحتلال البريطاني للعراق وضد سياسة بريطانيا الاستعمارية، ومع اندلاع ثورة العراقيين ضد الاحتلال البريطاني في الثلاثين من حزيران عام1920، ظهر دور العديد من الصحف العراقية  في الدعوة الى رص الصفوف ومواجهة المحتلين والصمود في ساحات المنازلة ، ومنها صحيفة الفرات التي كانت تنادي باستقلال العراق،  وحث الناس على مقاومة المحتلين، وفضح كذبة (التحرير) التي ما انفكت بريطانيا ترددها في احاديثها عن  مبررات احتلالها العراق، والتي اختصرها قائد القوات البريطانية الغازية للعراق ( الجنرال ستانلي مود) بالقول يوم احتلت قواته بغداد في الحادي عشر من آذار عام 1917: لقد جئناكم محررين لا فاتحين. وهي ذات العبارة التي قالها (الجنرال الامريكي تومي فرانكس) بعد ذلك التاريخ بنحو 86 عاما، يوم دخلت الجيوش الامريكية الغازية عاصمة العراق وحاضرة الخلافة العباسية مدينة بغداد في التاسع من نيسان عام 2003.

وهكذا ،كان قدر العراق ان يشهد عام  2003 احتلالا جديدا، رافقته الفوضى في كل الاتجاهات وعلى كل المستويات، وكان واضحا ان المحتل الامريكي جاء متسلحا بتراث وخبرة المحتل البريطاني الذي رافقه ايضا فيما سمي :(أعظم عملية سطو في التاريخ)، فمن مقولة التحرير لا الاحتلال التي اعاد بها جنرال اميركا  الى الاذهان مقولة الجنرال البريطاني الذي سبقه في احتلال العراق قبل 86 عاما، إلى كل أشكال النهب والسلب والتمزيق والسطو والقتل  والكذب والتدليس والتضليل، كانت الولايات المتحدة الأميركية تعيد اسقاط الدرس القديم على العراق واهله، وكان اهل العراق  يعيدون ايضا تسطير دروسهم في المقاومة ،ومن كتلة  المقاومة الصلدة والرائعة التي اعادت صورة العراق والعراقيين في عيون الجميع، كبلد عصي وكشعب أبي، خرجت هيئة علماء المسلمين في العراق مع بداية الاحتلال البغيض، معلنة  جملة اللاءات التي شكلت وتشكل حياة العراق والعراقيين وكرامتهم وعنفوانهم، ومن بينها: لا للاحتلال . . لا للدستور الكسيح ..لا للطائفية .. لا للعملية السياسية ..لا لتمزيق العراق وتقسيمه ..لا لسلخ هوية العراق والعراقيين .لا للظلم والاستعباد.

وكانت (البصائر) تلك الصحيفة المقاومة، من بين وسائل وأوعية الجهاد التي اعتمدتها الهيئة لتكون منبرا للتعبير عن سمو العراق والعراقيين وهم يواجهون اعتى واكبر قوة استعمارية في العالم، ويذيقونها مر الهزائم، التي لم تكن تتوقعها وقد سكنت عقول قادتها كذبة ان اهل العراقسيستقبلونهم بالورد والاهازيج، وان ماأسسوه من وسائل اعلام اجيرة، قادرة على ان تطوع كل العراقيين وتجعلهم يرون الاحتلال تحريرا.

ومثلما كانت بندقية المقاومة تفعل فعلها في الميدان وتسقط أوهام المحتلين، كانت (البصائر) تبصّر الناس وتقارع بالكلمة الصادقة والفكر الواضح كل دعايات وادعاءات وأباطيل الصحف الصفراء والأجيرة التي أسسها المحتل ورعاها وأغدق عليها، والتي راحت تمجد الاحتلال وتسوق محاسن له وتتهم المقاومة بالإرهاب، متبنية الخطاب السياسي والاعلامي للاحتلال وكل قواه الحزبية وكل شخوصه في العملية السياسية، من عملاء وأجراء وقتلة ومرتزقة وانتهازيين. فأي معركة شريفة وصعبة كانت معركة (البصائر). وأي فكر طيب ورصين ونقي وقف خلفها وساند صدورها ورسم خطواتها ورعاها، وهو يدرك حجم وخطورة المواجهة وصعوبة الممارسة ووحشة الطريق؟

وعلى الرغم من أن تاريخ العراق الحديث (كما اشرنا) قد حفل بالعديد من صحف المقاومة، إلا أن صحيفة ( البصائر) استطاعت أن تسجل تميزها من خلال حجم الضغوط التي واجهتها، وطبيعة الامكانات غير المحدودة التي سخرت لوسائل الاعلام المساندة للاحتلال  وعملائه ومرتزقته التي وقفت ضدها، وما وصلت اليه وسائل وأدوات الخداع والتضليل من قدرات هائلة وما تمتلكه من ساحات انتشار واسعة، في مقابل امكانات قليلة جدا وظروف صعبة كانت تؤطر عمل (البصائر)، غير أن زادها من فكر ومشروع يعرف دقة بوصلته ووضوح هدفه، كانت فيصلا في التميز والنجاح والقدرة على المناجزة والتصدي.

لقد كانت ولادة (البصائر) قبل اربعة عشر عاما (في الثاني من شهر آب/اغسطس عام 2003) ،عنوانا واسعا  من عناوين قدرة العراقيين واصرارهم على المقاومة للاحتلال، والدفاع والتصدي ضد كل ما يستهدف العراق وأهله وقيمه الدينية والوطنية ، وكل ما ينال تاريخهم المجيد وهويتهم وتراثهم، و قد سجلت (البصائر)  تميزها في رسم الاطار الرصين الذي يعبر عن العراق والعراقيين في كل الظروف، و(بصرت) بما توفر لها من امكانات، بالأمل وإمكانية الخلاص من كل الظروف الصعبة، معبرة عن رؤية هيئة علماء المسلمين في العراق التي  بقيت ثابتة على عهدها في رفض الاحتلال وكل ما يتصل به ،وفي ان الامل  بالخلاص لاشك فيه برغم كل المآسي وكل الكوارث التي واجهت العراق والعراقيين منذ الاحتلال وحتى اليوم، فتحية للبصائر في ذكرى صدورها، وهي  مازالت ثابتة ببصائرها، هيئة ورجالا وفكرا وعزيمة وتصميما ورصانة.

Similar Posts