السياسية الإيرانية التوسعية …وحاجة العراق للطاقة

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الامة للدراسات والتطوير

يحاول النظام الإيراني استخدام جميع الوسائل و الأدوات التي تساعده على تنفيذ مشروعه السياسي التوسعي في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي والعمل بحميع الاتجاهات واستغلال الوقائع والأحداث التي تعصف بهذه المناطق والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها وعدم وجود رؤية حقيقة لكيفية معالجتها من الأدوات التي تحكم البلاد، وتعتمد القوى الاستخبارية والأمنية المتمثلة بالحرس الثوري الإيراني وقيادة فيلق القدس على تنفيذ التوجهات المستقبلية والاستراتيجية للنظام الإيراني باستخدام العديد من الوكلاء والجماعات والمليشيات المسلحة المرتبطة بها للعمل وفق نظرية التمدد والنفوذ الإيراني وتوسيع قاعدة التواجد والهيمنة الإيرانية مستغلين ضعف القرار السياسي وغياب الإرادة الحقيقية في مواجهة التحديات القائمة في بعض عواصم الاقطار العربية التي تمكنت أدوات النظام من فرض إرادتها وسطوتها وتدخلها في مجالات الحياة فيها ومنها ( العراق وسوريا واليمن ولبنان) وبدأت بفرض قوتها وأحكام سيطرتها على مجمل الأوضاع القائمة في هذه الاقطار واستغلال حاجتها للطاقة في غياب الاستقرار الأمني وضعف القرار الاقتصادي وانعدام الاستخدام الأمثل للطاقة وحاجة الأنظمة السياسية في عواصم هذه البلدان لتأمين احتياجاتها من الطاقة في تشغيل المحطات الكهربائية لتوليد الطاقة والحفاظ على شبكات الكهرباء من الاندثار والضياع. معروف لدينا حاجة العراق للطاقة الكهربائية بعد الغزو الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان عام ٢٠٠٣ وما الت اليه الأوضاع الداخلية وتحطيم وتهديم البنى التحتية للاقتصاد العراقي ومنها المنشآت الصناعية والمحطات الكهربائية وشبكات التوليد والطاقة والإنتاج مما جعل العراق في حاجة ماسة لإعادة المنظومة الاقتصادية ومنها الكهربائية للحياة وتحسين أوضاع الشعب العراقي بعد معاناة ومكابدة كبيرة افصحت عنها نتائج الاحتلال الأمريكي والهيمنة الإيرانية، وأصبح العراق وبسبب انعدام الخطط المستقبلية والاستراتيجية وفقدان البرامج التنموية والافتقار إلى رؤى ميدانية حقيقية في كيفية الاستفادة من المخزون الكبير للطاقة بباطن الأرض العراقية والتوجهات العملية والسياسية الدولية والإقليمية التي تسعى لأبناء العراق بلدا ضعيفا ليس لديه القدرة على التطور والازدهار ومواكبة التقدم العلمي والتقني الذي تعيشه بلدان العالم. امام هذه الشواهد والأهداف والضعف الميداني في إدارة شؤون البلاد جعل النظام الإيراني وعلى سلسلة من التدخلات والتوجهات أن يستغل حاجة العراق للغاز المشغل لمحطات التوليد الكهربائية وايقن أن صادرات الغاز والكهرباء الإيراني بدأت تلبي أكثر من ثلث حاجة العراق للطاقة ولاسيما في مناطق الفرات الأوسط والجنوب ،وهذا ما جعل عملية الهيمنة والتدخل في صناعة القرار السياسي والاقتصادي يؤخذ مدياته في التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية العراقية وأصبح العراق رهين للأهداف الإيرانية بعد أن تمكنت طهران أن تجعل من العراق مصدرا مهما ورئيسا في توسيع دائرة التبادل التجاري والاقتصادي بين البلدين بحيث وصل إلى ١٢ مليار دولار سنويا واعتماد العراق على تصدي الغاز الإيراني اليه في تشغيل المحطات الكهربائية، وهذا كان أحد الأسباب الكبيرة التي دعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على إصدار سماح وترخيص وإعلاء للعراق باستيراد الكهرباء والغاز الإيراني استثناءات من العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام الإيراني من قبل الولايات المتحدة الأمريكية خوفا من انهيار الشبكة الكهربائية والمساعدة في إنتاج وتشغيل المحطات الكهربائية بالطاقة الإيرانية. تبقى السياسة الايرانية واضحة في سعيها لتحقيق مصالحها الذاتية واختيار الأوقات المناسبة لتحرج حليفتها حكومة بغداد ولكي يستمر النزيف والتدفق المالي المقدم لطهران نتيجة التوسع في الربط الاقتصادي وارتهان الوضع الميداني في العراق بالإتفاقيات المعقودة بين بغداد وطهران بفعل واسناد العديد من مسؤولي الاحزاب والكتل السياسية التي تساهم في استمرار تمديد هذه الاتفاقيات على الرغم من وجود العديد من المشاريع والتعهدات التي قدمن من أقطار عربية شقيقة مثل ( السعودية والاردن ومصر) لتوزيد العراق بما يحتاجه من الطاقة الكهربائية والغاز الطبيعي لتشغيل المحطات الكهربائية وباسعار تفضيلية ولكن بسبب عدم وجود قرار سياسي مستقل وفقدان الارادة الوطنية في مراعاة المصلحة العامة للشعب العراقي واعتراض هذه الاحزاب ورفضها لأي اتفاق عربي مشترك لإبقاء الساحة الميدانية للنفوذ والهيمنة الايرانية ودعم واسناد الاقتصاد الايراني للحصول على العملة الصعبة واستمرار توريد البضائع الايرانية للأسواق العراقية .بدأ التأثير الفعلي والميداني في تحديد مسارات العمل السياسي والاقتصادي ووضع أليات للتعاون الوثيق بين بغداد وطهران وتوقيع العديد من الاتفاقيات المشتركة والربط الكامل للاقتصاد العراقي بايران بحيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين الى 15 مليار دولار وكانت الغايات الاساسية لطهران ايجاد منافذ حيوية واستمرار تدفق العملة الصعبة وتوريد المنتج الايراني بكافة أنواعه الى الداخل العراقي والتغلب على بعض الاثار الاقتصادية التي أوجدتها العقوبات الامريكية على النظام الايراني .من أهم الاتفاقيات كانت (اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي الايراني للعراق )التي وقعت في تموز 2013 بقيمة 14 مليار و800 مليون دولار ولمدة 4 سنوات وتم تجديدها في عام 2017 وبقيت لحد الان عبر استمرار الموافقات الامريكية كونها تقع تحت طائلة العقوبات الاقتصادية المفروضة على ايران والتي تحد من عمليات التبادل التجارية والاقتصادية وتصديرالطاقة من ايران للبلدان العالمية وأستثني العراق لحاجته الماسة وكونه يعتمد بالاساس على تشغيل محطات كهربائية عراقية ترفذ المنظومة الكهربائية ب(3300) ميكا واط .بتاريخ 27 كانون الأول 2020 أعلنت الحكومة الايرانية عزمها عن تقليل صادرتها من الغاز للعراق بمقدار نصف الكمية المتفق عليها بسبب عدم دفع المستحقات المالية وتراكمها خلال الأشهر الماضية وهذا الاجراء أدى الى خفض عملية التجهيز من (5) مليون متر مكعب من وقود الغاز الى (3) ملايين متر مكعب وأثر على عملية تجهيز الكهرباء بحيث أصبح شبه معدوم في مدينة بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية والحق أضرارا بليغة بقطاع الكهرباء الذي يعتمد ثلث طاقته على ما يستورده من الغاز الايراني.التوجهات الإيرانية وأهداف النظام الحاكم في طهران واضحة وأنه يعتبر العراق الأن الرئة التي يتنفس منها بعد إشتداد العقوبات الإقتصادية عليه والقرار الأخير بإعتبار الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية وتجميد جميع تعاملاته وعلاقاته خارج إيران ومنها الإستثمارات الإقتصادية والواجهات والشركات التجارية والمعاملات المالية التي يقوم بها قادة ومسؤولي الحرس الثوري عبر العديد من الوسطاء والقنوات الإقتصادية والتي تشكل 33% من واردات المال والعملة الصعبة لإيران وتسيطر على 70% من التعاملات التجارية الخاصة بالنظام الإيراني .أمام هذه المعطيات يأتي القرار الأمريكي ليكون العراق هو إحدى الدول المشمولة بتمديد الاستثناء الخاص بإستيراد الغاز المسيل الإيراني والذي يشغل العديد من المحطات الكهربائية في وسط وجنوب العراق و إستيراد الطاقة الكهربائية من طهران ضمن إتفاقيات تجارية معقودة بين الطرفين تدفع بموجبها حكومة بغداد (7) مليار دولار سنويا كعملة صعبة تدخل المؤسسات المالية وتؤثر في الإقتصاد الإيراني وتقلل جزءا من تأثير العقوبات المفروضة على طهران ،وأعطيت حكومة بغداد مهلة إستثنائية إمتدت لستة أشهر لإيجاد البدائل عن إستيراد الغاز الإيراني .يسعى النظام الإيراني على توسيع دائرة التعاون الاقتصادي مع العراق واستمرار مشروعه السياسي في التوسع والتمدد وتحقيق الأهداف السياسية المستقبلية والعمل على استخدام الغاز الإيراني والطاقة الكهربائية كورقة رابحة واسلوب ميداني قائم في العراق رغم الضغوط السياسية والاقتصادية التي يعيشها نتيجة التفاعلات والمتغيرات الإقليمية والدولية المحيطة بمنطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.

Similar Posts