العراق في مؤشر معهد ليجاتوم لعام 2023

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تستمر عجلة التقدم كلما كانت هناك إرادة حقيقية لبناء المجتمع والتمسك بحقه في العلم والمعرفة وإيجاد مرافق ومراكز علمية رصينة ومؤسسات تربوية هادفة تسعى إلى جعل الشعب أكثر وعياً وإدراكاً وفهماً وعطاءاً ولا يتحقق هذا الأمر إلا في جو من الاستقرار والاستقلال الذاتي الذي يمنح البلاد قراراً وطنياً وقيادة شعبية مؤهلة للأعمال الإيجابية والأفعال المشرقة.

لا يتقدم المجتمع ولا يحقق الغاية التي تصبو إليها الشعوب التواقة للحرية والكرامة إلا بوجود استقلال سياسي واقتصادي يكونان صورة إيجابية تنعكس بصورة واضحة على مديات واتساع رقعة العطاء الفكري والسياسي وفق نهضة شمولية تعزز مفاهيم العطاء الجماهيري والمد الشعبي نحو بناء مجتمع متقدم يحظى باهتمام وتقدير المحيط الدولي والإقليمي ويكون ذا تأثير فعال في الأحداث التي تحيط به وتشكل نقلة نوعية حقيقية في مجال العلاقات الدولية مع العالم.

تحتاج عملية الارتقاء والنهوض إلى عقول متميزة وشخصيات فعالة ونفوس خيرة تعمل على وضع قواعد رصينة من القيم والأخلاق والتعامل الفكري مع الإنسان باعتباره أعلى قيمة حياتية في المجتمع وتساعده على الابتعاد عن صور القهر والاستعباد والعبودية وصولا إلى مراحل الارتقاء بالذات والتقدم المجتمعي الذي يشكل أعلى قمم الرقي والعطاء الإنساني ، فالمجتمعات الراقية هي التي تحافظ على كرامة الإنسان وتحتضنه علمياً وفكرياً وتساهم في بناء مراكز متقدمة من العلم والمعرفة والجودة والعطاء نحو بناء مستقبل زاهر مشرق للأجيال الحاضرة ويؤسس لمراحل زاهية للأجيال القادمة ويمنح المجتمع رونقه ومكانته من المجتمعات الإنسانية والأمم الراقية.

تتحقق الإرادة الحقيقية في عملية البناء بوجود مناهج وخطط فعالة تنهض بالإنسان ضمن أطر وأفاق شاملة تعمل على تطوير ونهضة العنصر البشري وإتاحة الفرص العلمية والتقنية لجميع أبناء الشعب وصولا إلى بناء منظومة علمية متطورة ونظام تعليمي ناجح ومثمر يكون أحد الأدوات الفعالة في تقدم ورقي البلاد، ولا يمكن تحقيق هذه الرؤية العلمية الدقيقة والأفاق الميدانية الرحبة إلا بوجود كوادر بشرية متعلمة ومتسلحة بثقافة واسعة وبتدريب عال متقدم يشمل جميع مناحي التطورات الحاصلة في المنهج العلمي للدراسات المتقدمة والمعتمدة دوليا والتي تشهد عمليات التطوير باستمرار وبأفاق واسعة ،وإذا ما نجحت البلاد في تحقيق هذا المسار التعليمي المتطور فإنها ستعمل على إنشاء وتطوير ميادين التنمية الاجتماعية وبدرجة متقدمة وتعطي نتائج فعالة نحو البناء الإنساني.

أمام هذه الرؤية العلمية والأهداف التربوية التي تسعى إليها الشعوب والأمم يأتي تقيم ( معهد ليجاتوم لجودة التعليم ) لعام 2023 وهو مؤسسة فكرية تأسس عام 2007 مقرها في العاصمة البريطانية لندن هدفها تعزيز تثقيف الجمهور بجميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الصعيد الوطني والدولي ، ليجعل العراق في مرتبة متأخرة بل خارج نظام التقييم الشامل وهو بلد الحضارات والعلم والمعرفة، ذو التاريخ العريق الذي علم الإنسانية أوليات القراءة والكتابة وصاحب الحضارات المتقدمة التي أغنت التاريخ الإنساني وأرست تعليم التقدم والرقي للمجتمعات والشعوب ومنحت مفهوما إنسانيا راقيا بالحفاظ على آدمية الإنسان واحترام إرادته وحقوقه المدنية، البلد الذي تخرج منه الآلاف من العلماء والباحثين والمفكرين والمبدعين في جميع المجالات وكان موطن الكفاءات العلمية والمهارات الذاتية والإبداعات الثقافية والمهنية.

إن هذا التقييم الأخير لمؤشر معهد ليجاتوم يشكل صورة مؤلمة ومؤسفة لواقع فاسد في مجالات الإدارة والتعليم والنهضة الشمولية للبلاد ويرسم ويحدد واقع ميداني واضح لقطاع التربية والتعليم ومديات التأخر والجهل وانعدام العلم وانقطاع المعرفة عن أبناء الشعب العراقي وهو إحدى النتائج الميدانية لغزو العراق ويشكل انتكاسة جديدة بسبب السياسات الخاطئة المتبعة بعد الاحتلال الأمريكي وعدم وجود خطط ميدانية رصينة لإعداد مناهج تربوية وعلمية تساعد على تقدم المجتمع وزيادة آفاق العلم والمعرفة لدى أبناء الشعب والافتقار إلى وسائل وأدوات تساهم في النهضة العلمية بسبب سوء إدارة التعليم وكيفية معالجة الأزمات التي يعيشها قطاع التربية والتعليم .

أتى التقييم ليضع العراق في مصاف الدول الخارجة عن نطاق التقييم الشامل لآفاق التعليم وتطوره وأسلوبه والأدوات المعتمدة فيه والمناهج القائمة على تعزيز مراحل البناء التعليمي والفكري للطلبة وليكون مع عدد من الدول العربية التي تعيش أزمات سياسية واقتصادية وإنسانية وهي (اليمن وليبيا وسوريا) ) وأعطى التقييم منحى كبيرا لمشهد يعاني منه أبناء الشعب العربي الذي تعيش بعض أقطاره واقعاً مأساوياً فرض عليهم نتيجة التدخلات الدولية والمصالح الإقليمية والاحتلال الأجنبي والغزاة الفاعلين في المحيط العالمي وهي التي ساهمت في ضياع ونهب ثروات هذه الأقطار وتفتيت نسيجها الاجتماعي ووحدتها الوطنية والمساهمة في عملية التجهيل وضياع فرص التعليم لأبناء هذه البلدان العربية الحرة.

يعتمد المعهد الازدهار المجتمعي على 12 ركيزة مهمة تتعلق بالتقييم العام وهي الأمن والسلامة والحرية الشخصية والحوكمة وبيئة الاستثمار والأعمال والصحة والتعليم والبنية التحتية والظروف المناسبة والبيئة الطبيعية، وبموجبها احتلت الدانمارك المرتبة الأولى على مستوى العالم في مجال التعليم بحسب تصنيف المعهد ثم السويد والنرويج وفنلندا وسويسرا وهولندا ولوكسمبورغ وآيسلندا وألمانيا والمرتبة العاشرة من نصيب نيوزلندا، في حين تصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر المراتب الأولى عربيا ، واحتل ذيل القائمة جمهورية أفريقيا الوسطى واليمن وجنوب السودان.

أكد التقرير الصادر عن معهد ليجاتوم أن هذه الدول ومنها العراق لا تتوفر فيها أبسط معايير الجودة في التعليم ،وأشارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة(اليونسكو ) أن عقوداً من الصراع وغياب الاستثمارات في العراق دمرت نظام التعليم الذي يعد فيما مضى أفضل الأنظمة التعليمية في الوطن العربي.

فلا تزال هناك العديد من المشاكل التي يعاني منها هذا القطاع بعدم كفاية الأبنية المدرسية والجامعية بما فيها الصفوف والقاعات المدرسية والمختبرات العلمية بسبب السياسة المتبعة في إدارة الحكم ببغداد القائم على المحاصصة السياسية وتوزيع المواقع والمناصب وفق المصالح الفئوية والمادية لأحزاب السلطة ومنها قطاع التربية والتعليم الذي يفترض أن يكون الاختيار ضمن القياسات العلمية المتقدمة في الاختيار المناسب للمواقع القيادية لإدارة الوزارات والمؤسسات التعليمية في العراق.

تتحمل جميع حكومات بغداد التي تلت الاحتلال الأمريكي للعراق النتائج الكبيرة التي وصل إليها قطاع التربية والتعليم لعدم تمكنها من إدارة البلاد وفق أسس ومناهج علمية تربوية وإصلاحية وافتقارها للإرادة الحقيقية في تحقيق المسارات المتقدمة في حياة الشعب وعدم وجود ملامح متطورة لأفاق منهجية تتعلق بأصول التنمية البشرية والاعداد الفكري وبناء الانسان ، وعندما نلقي نظرة دقيقة أخي القارئ الكريم على تصريح أحد المسؤولين في وزارة التخطيط في حكومة بغداد قبل أيام واشارته إلى أن نسبة العاطلين في العراق بلغ (10) مليون مواطن وأن نسبة الفقر في المجتمع العراقي بلغت 27% ، نعلم حقيقة الأوضاع القائمة ومدى الفساد المستشري في جميع قطاعات الحياة داخل العراق ووجود الإخفاقات المتواصلة في عدم ردم الفجوات الحاصلة في إدامة التنمية البشرية وتحقيق العدالة الاجتماعية وصون حقوق الشعب والحفاظ على مستقبله والابتعاد عن رسم معالم النهضة التنموية التي تتمثل في إقامة المشاريع الكبيرة وتشجيع عمليات البناء والإعمار.

Similar Posts