تذكرة ورؤية في الذكرى السابعة لرحيل الضاري

بقلم : حارث الأزدي

قرأت مقالات عديدة في الذكرى السابعة لرحيل الشيخ الدكتور حارث الضاري رحمه الله، كل منها أخذ جانبا من جوانب حياته المضيئة، واستمعت إلى مقتطفات من أحاديثه وخطبه وكلماته في المؤتمرات التي كان يشارك فيها، بنبرة صوته الذي كان يقض مضاجع المحتلين ويؤرق ليلهم، ثم تجولت بين مواقف كثيرة في مسيرة حياة هذا الرجل الرجل، فكان كما عرفناه أستاذًا دكتورًا، وشيخًا مقاومًا، شجاعًا ومقدامًا، وسياسيًا عنيدًا، هو الجامع بين مقامي الفخامة والتواضع، وهو صاحب الخلق الرفيع، وشيخ العشيرة الحكيم، يحتمي بجنابه الضعيف، ويهابه كل من حضر مجلسه لهيبته ووقاره، هو عالم شرعي وأستاذ أكاديمي بعض كتبه مناهج للدرس في الجامعات، ومقاوم شجاع مهاب الجانب، فارس في الميدان السياسي، وشيخ عارف بسنن العشائر تربطه والعشائر العربية وشائج قوية. ثم لما كان مني كل هذه الصور وتلك الأحداث، تهيَّب القلم من خوض غمار الكتابة عنه خشية التقصير وعدم الإيفاء بحق رجل لايزال تأثيره حاضرًا بيننا يردد مقولاته الواعون، ويستشهد بها المناوئون لما فيها من دليل قاطع وبرهان ساطع وحجة كبيرة، وفي الجانب الآخر لايزال هناك من يحاول لاهثُا النيل من شخصية هذا الشيخ العلم، كل موتور يريد إقامة حائط صد ليتمكن من تسويق من يتبعهم، ولكن قدر الله هو الغالب فمهما حاولوا التشويه والتعمية يظهره الله من خلال أحداث تستدعي رؤيته فتبرز أقواله ورؤاه ساطعة كشمس تشرق بعد حجبها بغيوم سوداء ثقيلة.سألني صاحبي وهو يشاطرني الرأي غالبًا، ولكنه يحب تقمص دور المناكف والمناقش والمشاكس في آن معًا دائما: بماذا تختلفون عمن يمجد الشخصيات ويحج إلى قبورها ويقيم الاحتفالات أو حتى المآتم ويحاول بشتى الوسائل إظهار التأثر لفقدهم والوعد بالسير على آثارهم .. أنتم تفعلون مثل ذلك إنكم إذن مثلهم؟ أجبته بسؤال استنفاري هل هذا أقوى ما لديك؟ أم أنك تستودع هذا الصدر مزيدا من الغل؟ فقال لا تسألني مزيدا من الأسئلة يكفي أن تجيبني عن هذا وتقنعني به… قلت حسنًا اسمع مني:بداية أقول: أن يوفق الله رجلًا على الثبات في وجه الطغيان فهذا موقف محمود، ولكن أن يوفقه إلى ذلك ويجعله سببًا في تثبيت الآخرين فهذا يستدعي أن نتوقف عندها ونستلهم العبر منها فهي ليست من اليوميات التي تمر من دون الانتباه إليها، وأن يرفع الله مقام رجل فيجعله صاحب الرأي السديد والعقل الرشيد، فهذا حسن ولكن الأحسن منه أن يجعله سببًا في ارتفاع آخرين سلكوا منهجه في الشموخ والرفعة وقول الحق اعتقادًا لا تجارةً، فهذا يستدعي أن نتوقف عندها ونبحث أسبابها، نحن لا نقدس الأشخاص ولكننا نشير بالضوء إلى مواقفهم لتكون نبراسا يحتذى به، ثم تعال معي نستعرض تاريخ الأمم والجماعات وحركات التحرر والمقاومة في دول العرب والعالم، وما يماثلها في ميادين الدفاع عن الحق والذود عنه، يا ترى كم ستجد من الأسماء التي كانت لهم مواقف مشرفة ذكرها التاريخ ويسترشد بها الذين يأتون من بعدهم، ثم دعني أقرر لك شيئا آخر، نحن لا نتعبد بالتقرب إلى الشخصيات أو أننا ندعوها من دون الله حاشا لله أن نكون ممن يشرك به شيئا، مثلما توجد شخصيات في التاريخ غير المشاهد بالنسبة لنا توجد كذلك شخصيات نحن شهود عليها ونحاول نقل مواقفها ورسالتها إلى من لم يشاهدها وهي بمثابة تذكير وتثبيت على الطريق الصحيحة.المكتبة العربية والغربية على حد سواء، تزخران بكتب التاريخ والأحداث ولا يزال الرومان يحتفلون بقيصر، وجارتك الشرقية جعلت من المذهب طريقا للعودة إلى الكسروية فما بالكم مأخوذون بكل ما يلقى إليكم من ترهات ومشاغبات وشيطنات ترددونها من دون وعي ولا تفكر، الأمور لا تقاس بهذه المقاييس المترية الممجوجة. قاطعني صاحبي قائلا على رسلك إنما قصدت أن أتسلح بردك فلا تشملني مع من لا تحب.أعود إلى أصل المقال بعد هذه الالتفاتة المقصودة، هذه الشخصية المتفردة للشيخ حارث الضاري رحمه الله لا تزال حاضرة وشاخصة بقوة تتحدى كل العوامل التي تريد النيل منه بتشويه المواقف بل إن هذه الشخصية تزداد قوة يوما بعد آخر وتزداد حضورا فاعلًا فقد تعدت مرحلة الأتباع فقط وها نحن نسمع إشادة وإعجابا وشرحا مفصلًا ممن كانوا في الجانب الآخر من المعادلة التي كان يرددها الشيخ رحمه الله أن هناك فسطاطين في العراق؛ فسطاط مع المحتل ومن جاء معه وتعاون وعمل في مشروعه، وفسطاط العراقيين أهل البلد الرافضين لمشروع الاحتلال وعملائه. لم يكن الموقف تجاه مشروع الاحتلال سهلًا أو متاحًا لكل أحد ولاسيما هؤلاء الذين يرفعون شعار (دعني أعيش واعمل في البلد ما تشاء) فهؤلاء بعيدون عن المواقف العالية، وليس في مقدورهم البقاء دون تقافز بين حبل وآخر، أو دون طرقٍ متملِق بين باب وآخر طلبا للعاعة صغيرة، ولعله من المناسب أن نذكِّر بمقولة كان يرددها الشيخ الضاري عليه رحمة الله، حين سمع مرة من شخص يجالسه يذكر الآخر بسوء موقفه ولمس منه تعاليا غير مقصود تجاه من لم يلحق بركب المقاومة فقال الشيخ يا فلان إن الله سبحانه وتعالى هو من وفقك لعمل الخير والصلاح وأن تكون على جادة الصواب، وهذه نعمة تستوجب الشكر لا أن نمن بها على من لم يوفق إلى ذلك.بقي أن أقول إن الذكرى ليست تشريعًا وليست نُسكًا ولكنها مناسبة رائعة بالتذكير بالمواقف العالية والشخصيات التي كان لها أثر بالغ في تاريخ البلد، ومن دون هذه المثابات سنبقى أسرى واقعٍ واقع، ولكي لا تستسلم الشعوب وينفرط عقدها إذا ما دهمتها مصيبة الاحتلال يهيئ الله سبحانه وتعالى رجالًا يصطفيهم لصفاء سريرتهم ونقاء إيمانهم وصدق توجهاتهم، ليكونوا بين الرجال أمثالًا، وبين الأمثال أبطالًا، ويكونوا بعد مماتهم على ثباتهم ملهمين لمن عاصرهم أو يأتي من بعدهم أن الحياة رسالة وأن الإباء رجولة وأن المحتل أو الظالم الذي يخلفه قد يملكون الأجساد فيحددون حركتها بالسجن والتضييق ولكنهم قطعا لن يملكوا الأرواح ولا الأنفس الشم التي تتنفس حرية وتأبى الخنوع لمشروع المحتل فتبقى أفكارهم ومقولاتهم منارا يهتدي به من ينشد الحياة الحرة الكريمة.

Similar Posts