مقالات من الذاكرة / المؤرخ عبد المنعم الغلامي (2 – 3)
طريقة الغلامي في كتابة التاريخ
بقلم : الأستاذ الأديب معن العجلي
والذي يلفت نظري في طريقة الأستاذ الغلامي بكتابة التاريخ أنه عندما يكتب هذا التاريخ فإنه يعمد دائمًا إلى ربط الرجال بالحوادث ربطًا محکمًا تامًا بحيث لا يمكن الفصل بين أي حادث وبين الأشخاص الذين قاموا به، فالرجال في كتبه غرقى في موج الحوادث المتصلة المتسلسلة المتفاعل بعضها مع بعض. إن الغلاميَّ حينما يكتب يسعى بكل قابلياته إلى أن يكشف التجلي العقلي، والظهور الروحي، ويجسم الانفعال العاطفي لكل طائفة أو قبيل أو فئة من الناس يكتب عنها. إنه يضبط الحوادث ويحدِّدها ويصلها برجالها ثم يسلِّط النور عليها من إشعاعات عقل الأمة العام ليُشخِّص جزئيات الحوادث وکلیاتـها، ويكشف روح الأمة، وينزع الأغطية عن مثلها الأعلى أمام ما يقع في جوفها من فعل وتفاعل، وتأثير وتأثُّر في حدود واقعها المحلي، أو على صعيد حوادثها الكلية المطلقة!
وهذا هو التاريخ، وهذه طريقة المؤرخ الغلامي، فإنه يتجاوب مع الحوادث ويتبادل مع عقول العاملين فيها بفکر عربي إسلامي، ويُشرف على أحداث العراق والموصل خاصة من قمة يعربية إسلامية عراقية، ويعالج القضايا والمشكلات، ويناقش المتناقضات بذهن مصقول في كُنه الوجود العربي والإسلامي. ولذلك فمقياسه الذي يفهم به الرجال، ويقيس عليه الأقوال والأفعال في كل ما كتب وسجّل من الحركات العربية في الموصل وغيرها.. هو مقياس العربي المؤمن بوحدة هذه الأرض وبرسالتها المحمدية التوحيدية.
عندما كنت أزور الغلامي وأطيل الجلوس معه وأسمع منه وأتحدّث إليه كثيرًا، وعندما كنت أنتبه إليه وهو يتحرَّك ويعمل ويبحث ويكتب ويستقبل الأصدقاء كنت أسأل نفسي، ما هي أسباب هذا القطوب الدائم المخيِّم على وجه هذا الرجل! وأين هذه البئر العميقة المملوءة بالشراب المرِّ الذي يكرع منه الأستاذ عبد المنعم الغلامي ليل نـهار، فيعبّس مشمئزًا مكفهرًا، سادرًا حزينًا.
وما هو مصدر هذه الأكدار والمنغصات، والأتراح وواردات الخواطر السود على قلب هذا الرجل المؤرخ المتفرغ للقلم والحبر والقرطاس.
سألت نفسي هكذا.. وقلت لقد ثأرت الموصل لنفسها وشفيت الصدور الموغورة بجمر الحقد، وجفَّت الدموع في المآقي بعد أن تساقطت رؤوس الغادرين الأشرار فلماذا إذن هذه السحب الداكنة الكدراء تظلل بیت الغلامي ووجهه وهيئته؟
وما هي علة هذا الريح الحرجف النكباء العاصف التي يتأود تحتها کیان هذا الكاتب؟ وما هو باعث هذه اللوعة المكبوتة في قلب الغلامي، والعبرات المخنوقة المحبوسة وراء هذه الأجفان التي عودها صاحبها أن تجف وتيبس وتشح بالدمع الذي يجب أن يعز ويغلو في حوادث الزمان! ولكني وجدت الجواب الجاهز الناجز، وجدت الجواب الكافي الشافي المقنع، وجدته ماثلًا أمام الأستاذ الغلامي في هذه الصورة المناطة على الجدار، بين عيني الغلامي في مجلسه، إذ يرمقها بين الفينة والفينة، ويحوم حولها بخياله، وأطياف روحه.
إنها صورة (وائل) التي ترى الأستاذ الغلامي يُحدِّق فيها وهو مأخوذ في الحديث والمساجلة ومناقشة الأدباء، كأنه يبحث فيها عن حقائق كثيرة، وأشياء مشتَّتة غامضة قد فقدها وضاعت من بين يديه. فهو يثبت بصره، ويركز عينيه في ظلالها وإطارها ولونـها وضوئها وأصباغها، ثم تنتشر روحه وراء الزمان والمكان وتتلاشى في سرمدية الأبد.
إن الذي لم يعرف أن المؤرخ الغلامي قد فجع بابنه الوحيد وهو في نضارة الفتوة وزهوة الشباب، والذي لم يرَ نيران الفراق يرتفع شُواظها من هذا الصدر الطافح بالوحشة النفسية التي تجمع غيومها الداكنة الكدراء منذ عدة أعوام لتلبد بـها سماء هذا الأديب وتغطي آفاقه الفكرية الرحبة.
والذي لم يدرك كم يقاسي الغلامي من الأوصاب التي تمزِّق الحشا وتفتِّت الكبد، وهو يعالج نفسه لكي يكظم بين جوانحه تلك الزلازل التي تريد أن تنفجر.
أقول: إن الذي لا يحس بذلك لا يمكن أن يعرف حياة المؤرخ الغلامي معرفة عميقة ممتدة إلى جذور حالاته النفسية، وأطواره وميوله وأساليب تفكيره.. هذه الصورة هي التي تمضي وتلمع وتنطق بالنور في دماغ الغلامي، وهي الزيت الذي تتلظى فوقه بنات الفكر في خلوات الروح، ووحدة النظر العقلي في دنيا التاريخ التي تموج بعجائب النفس البشرية وأسرارها، والتي يؤدي فيها القلم معجزاته الخارقة للنواميس حينما يرصُّ بين السطور شموس الكون وأقماره وکواکبه، ويضغط كل وجود لا متناه من الفن والحكمة والشعر والبطولة ورسالات السماء في هذه الحروف والجمل والكلمات.
إن هذه الصورة قد أحاطت الغلامي بزمان وجودي خاص جعلت ساعاته ودقائقه وثوانيه تنتقل بالغلامي وتطفر به وتجرُّه بسلاسل غير محسوسة إلى کونٍ غير هذا الكون، وحياةٍ غير هذه الحياة، وهي التي توحي له بالمدد الذي لا ينضب في التأمل والتفكير والعاطفة والرياضة الروحية والذكريات، ومنها يستلهم تجديد قواه کلما أنهكه العناء وأنضاه السير، وسئم غربة الروح والشعور وهو بين أهله وذويه.
ومن النظر إليها والتروي فيها تنبثق في خاطر الغلامي وتنبت في أخيلته الرؤى والمنى، وتـهيج فيه أحلام الشباب كلما أنـهد نحو الشيخوخة، وأفضى إلى سكينة العقل، وبلغ وقار القلب.
لم تكن هذه الصورة بمعناها المادي إلا خيالًا ظليًا ومثالًا شكليًا لشاب اعتبطته المنون وهو في مرح الحب، وأماني الربيع، ولكنها بمعناها الأصلي الفعلي الحقيق في أجواء الروح المحبِّة الوامقة المتيَّمة المُدلهة، وفي میزان الأبوة المرزأة الثكلى التي ترنو إلى ما وراء المادة من معاني الخلود، وآیات البقاء والتي ترى في المادة هيولى بحت وإمكانًا محضًا لا تتحقق عینیتها بدون أن يتعين وجودها، ويتمثَّل في علة صورية تتضمن علة الفاعلية، وعلة الغاية والمثل الأعلى، ولكنها لدى المفجوعين الهائمين في حِنْدس الفراق الذي لا لقاء بعده هي باب نوراني تشرف منه روح المحب على عالم الأزل بعد زوال الماهيات، واندثار الأعيان المحسوسة التي تُضلِّل الحس بالتخييل والتشكيل وتشابه النظائر التي لا تثبت على حال في عالم الكون والفساد، ولأنـها مجال المِفَنُ الأصيل عندما تعجز اللغة لدى الشاعر، وعندما تقصر الأنغام لدى الموسيقار عن التعبير عن معاني الوجوه والعيون والشفاه يلجأ المِفَنُ حينئذ إلى الريشة التي لا تخضع لمقادير الزمان، ولا تؤثر فيها أبعاد المكان.
وقد كان المؤرخ الغلامي يعتقد ذلك، فقد أراد أن يكتب تحت صورة نجله الفقيد (وائل) هذا البيت الدقيق للشاعر الحكيم الشيخ الجزائري من کتاب حل الطلاسم:
إن للصورة في الشيىء بقاءً أبديا
وحدودًا بمطاويها يكون الشيىءُ شيًا
إذ أنه قد يرى هذه الصورة ما هي إلا تلك الملامح والسمات وأمارات الشباب الغض، ودم الصبا الفوار وفيوضًا من نبضات الحس الجديد المتراكم في قلب (وائل) قد برزت مجسَّمة ناطقة تتحدث حديثًا مبینًا واضحًا لا ينقطع من تحت التراب، ومن وراء الفناء، ومن خلف البلى الذي لم تبق عين في هذه الدنيا، ولم يبق قلب ولا نفس لم يقرح أجفانـها في فقد الأعزاء الذين يسارعون إلى الرموس واحدًا بعد الآخر، ويأفلون نجمًا بعد نجم.
إن فقد الأحبَّاء كأسًا مرَّة حنظلية الطعم، وقد ذاقها الناس طُرًا، ولكن فراق الأحبَّة قد يصيب فريقًا من أهل الفكر فيشلُّ الحزنُ إرادتـهم، ويطمس قرائحهم، وتجدب تحت ظل الكآبة خيالاتـهم، وتجمد مواهبهم، وربما أصاب طائفة أخرى من ذوي النبوغ والألمعية، فيوري في بصائرهم لهب العبقرية ويقدح شرر الذكاء، ويبعث نزعة الخلق الغني، ويرتفع بالذهن المبدع المبتكر إلى أكوان الوحي والإلهام في روائع الفن وآيات العلم والأدب. وهذا الضرب من الرجال هم ذوو الملكات الفنية المطبوعة المصقولة، وحملة الخواطر اللطيفة وأهل الرسالات الروحية، المبشرون المنذرون والهاتفون والمبلغون بين أيدي أُممهم في كل حالاتـها، في انقباضها وانبساطها، وفي سرَّائها وضرَّائها.
ومن هؤلاء الأستاذ عبدالمنعم الغلامي، فقد عمق شعوره، ودق حسه، ورهف إدراکه أمام محنته في فتاه الوحيد، فأشرقت روحه وتفتَّحت، ونضجت آراؤه وأثمرت، فحمل قلمه منصرفًا إلى التنقيب والبحث والدأب المُنهك في استقراء المصادر التاريخية، وتتبع الحركات السياسية في الموصل وفي غيرها، بقلب لا يكل ولا يمل، وبأعصاب قوية مثابرة لا تـهن ولا تضعف، وبنفس متمرِّسة على الجدِّ والجلد والسعي والاجتهاد، حتى اجتمعت للغلامي بسبب هذا التبلُّج الروحي الذي أنارت مصابيحَهُ في قلبه مصیبتُهُ بفرید قلبه، موسوعةٌ تاريخية غنية بالتجارب الشخصية، فيَّاضة بالمعاناة العقلية، زاخرة بالمباشرة الذاتية العيانية لكل حادثة سياسية وغير سياسية، عاصرها وتقصَّاها في محيط العراق الوطني.
سوق الشيوخ: معن شناع العجلي
11 محرم الحرام ۱۳۸۰-۱۳ مایس 1965