العملية السياسية وحقوق الصحافة المغيّبة
بقلم : معاذ البدري
لا يخفي على كل متابع حصيف ومتجرد وهو يرصد أحداث المشهد العراقي أن مشكلاته الفرعية والظاهرة وما يحصل فيه من تدهور وانتهاكات وجرائم متعددة الوجهات وعلى كافة المستويات؛ جميعها تكمن في مشكلة كليّة وأساسية يعبر عنها النظام السياسي الذي تشكل تحت مظلة الاحتلال وبرعايته وأخذ يمارس الطغيان مدة عشرين سنة.
العملية السياسية بمنهجيتها وبُنيتها ومساراتها وأحزابها وميليشياتها وشخوصها والكثير من الأدوات الأخرى المتصلة بها؛ تعمل بشكل صريح على مصادرة الحقوق وحجب الآراء وقمع الحريات وفي مقدمتها حرية الصحافة، لأنها إن لم تفعل ذلك فلن تكون قادرة على البقاء كل هذه السنوات، فالفساد الطاغي فيها ومنظومة المحاصصة الطائفية والعرقية التي تقوم عليها؛ كفيلة بأن تجعل هذه المنظومة تُنهي نفسها بنفسها؛ لأنها في المقام الأول كيان مضطرب قائم على الفوضى والتناقضات، ومن ثم فإنها تتقاطع تمامًا مع إرادة العراقيين وطبيعتهم فهي واقع شاذ فُرض عليهم لا ينسجم مع مجتمعهم القائم على التنوع والتعدد بنمطه الإيجابي المفضي إلى التعايش؛ وحتى يضمن هذا النظام استمراريته رغم كل ذلك استل من طغيان الاحتلال منهجية تقوم على محاربة الإعلام الحر والمنحاز إلى العراقيين وقضيتهم.
والأمم المتحدة نفسها التي خصصت هذا اليوم في تسعينات القرن الماضي ليكون مناسبة سنوية للبحث في حق الصحفيين؛ جعلته محل تذكير للحكومات والأنظمة بشكل عام بضرورة احترام الحريات الصحفية وتوفير البيئة الحرة والآمنة للعمل الصحفي، فإذا كانت الأنظمة “الشرعية” تعد مصدر إعاقة للعمل الصحفي الحر، فكيف بحكومات وأنظمة سياسية تشكلت تحت مظلة احتلال من المفترض أن تعارضه المنظمة الأممية وتعمل على إنهائه كما هو حاصل في العراق؟ بالتأكيد يحتاج الوضع ليكون أكثر تأكيدًا على هذا الحق لأن النظام السياسي القائم في العراق حاليًا موغل ومتورط حتى التخمة بالانتهاكات ومصادرة الحريات بكافة أنواعها، فضلاً عن عدم شرعيته.
بعثة الأمم المتحدة في بغداد مدانة في هذا السياق؛ فهي من المفترض أن تكون نصيرًا للحريات العامة والصحفية منها على وجه الخصوص، لا أن تكون متماهية إلى حد الابتذال مع الحكومات المتعاقبة ونظامها السياسي، واكتفائها بالإحاطات الفضفاضة التي كانت في بادئ الأمر تحاول فيها مسك العصا من الوسط، ثم أخذت مؤخرًا لا تخجل من تبرير صنيع حكومات الاحتلال، ولو أرادت أن تتحدث عن الانتهاكات فإنها تتحدث على استحياء وبجمل سرعان ما تُنسى بعد إتمام قراءة الإحاطة أو التقرير.
وتحت مظلة بعثة الأمم المتحدة يظهر الإرهاب الحكومي الذي تفرضه العملية السياسية وحكوماتها بهدف فرض مزيد من السيطرة على ثقافة ومفاهيم وأفكار المجتمع العراقي، ليكون هو السائد في المشهد الإعلامي في العراق، ومن آثار ذلك باتت الحقيقة مخفية أكثر من أي وقت مضى بسبب خوف أصحابها من الموت أو التغييب الذي يتهددهم في حال كشفوا جانبًا من الفساد أو الجرائم الحكومية الممنهجة.
واليوم في أوساط مواقع التواصل الاجتماعي حيث من المفترض استطاعة كل أحد أن يكون صحفيًا ينقل الحقيقة، ثمة مخاوف كثيرة من التدوين والحديث عن الشؤون العامة في العراق ولا سيما السياسية والاقتصادية منها، بعدما اتخذت السلطات ذريعة ما تسميه كذبًا “محاربة المحتوى الهابط” لتفذ قانون الجرائم الإلكترونية، هذا القانون الذي تسيره بمزاجية وبدوافع سياسية وأخرى طائفية لم يستهدف المحتوى المنحط في مواقع التواصل، بل وجهته نحو الصوت المطالب بالتغيير، واستهدفت في ظله النشطاء المناهضين لسياستها، وكل ما أشيع عن ملاحقة أصحاب المحتوى الهابط مجرد أوهام ساقتها حكومة بغداد لتغطي على فعلتها الحقيقية بانتهاك حرية الصحافة، وإلا فإن جميع من أعلنت عن إيقافهم بذريعة المحتوى الهابط ما زالوا يسرحون ويمرحون في مواقع التواصل وما يزال هذا المحتوى مشاعًا ليكون وسيلة إشغال للعراقيين وسببًا لصرف أنظارهم عن قضايا بلدهم الكبرى.
وقد يطيب لبعض من يريد الحديث عن واقع العمل الصحفي بالعراق أن يستشهد بمواد من دستور العملية السياسية بهدف إلزام أصحابه بما فيه من مواد تنص على كفالة حق التعبير وما شابه ذلك، لكن واقع الحال يشير إلى أن الدستور ومخرجاته والقوانين المستخرجة منه غير مؤهلة جميعًا للكفالة أو الضمان ، فصيغها في الأعم الغالب فضفاضة وذات تعبيرات صورية تستخدمها السلطات في العراق وتوظفها وفق ما يخدم مصالحها وتوجهاتها، والمواد التي يشتمل عليها هذا الدستور المسخ سواء ما يتعلق بالحريات أو غيرها، مواد معاق وغير جديرة بأن تفرض نمطًا قانونيًا قويًا يجعل من منتهكي حريات الصحفيين رهن المساءلة أو العقاب.