العزوف الجماهيري عن الانتخابات قرار عراقي بالرفض
بقلم : إياد العنًّاز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تتحقق الإرادة الشعبية في ظل أدوات وبرامج سياسية وطنية أساسها الثبات على القيم والمبادئ والدفاع عن حقوق ومكتسبات أبناء الشعب والحفاظ على منجزات البلاد وتدعيم إبادة بمواقف سياسية مستقلة تحترم سيادة البلاد وتديم مفهوم دولة المواطنة القائمة على أسس العدالة الاجتماعية واحترام القوانين والأنظمة وإقامة المجتمع المدني الذي يؤطر العلاقات الاجتماعية ويزيد من لحمة التآزر والتلاحم المجتمعي وتعزيز ثبات أبناء البلد في مواجهة المخاطر والأزمات التي تستهدف الأمن الوطني والقومي لبلادهم والأخذ بمقتضيات الحفاظ على الأمن المجتمعي وتدعيم أواصر العلاقة بين جميع أطراف المجتمع وتعزيز الإرادة الجماهيرية الحقيقية المعبرة عن آمال وطموحات أبناء الشعب بما يحقق لهم حياة حرة كريمة قائمة على أساس احترام حرية الفرد في التعبير والفكر وممارسة حقوقه المدنية والحفاظ على كرامته وعزته في ظل وحدة البلد وصيانة الدستور وتطبيق القوانين على جميع شرائح المجتمع بصورة عادلة وفق رؤية سياسية واجتماعية تستند إلى إرادة مستقلة تحمي حياة الشعب وتصون وجوده وتجعله مطمئنا على مستقبل أجياله. إذا أردنا المضي في بناء مجتمع قائم على أسس وركائز متينة تساهم في رفع مستوى الأفراد والهيئات والوزارات التي هي عنوان البناء والأعمار ووحدة البلاد، على النظام السياسي القائم أن يحدد مديات وآفاق تعامله ورؤيته لقيادة الدولة ضمن معايير وأطر تحددها مفاهيم الاستقلال الوطني مدعوما بإرادة اقتصادية حرة أساسها البحث عن برامج تنموية وتشغيلية واستثمارية لرفع القدرة المعاشية وتحسين أداء الأفراد وتعزيز مفهوم المواطنة الحقة والارتقاء بمستوى البناء والتقدم الحضاري للبلاد واشعاع روح العطاء والدفاع عن الوطن وحماية أراضيه. أخذت الأنظمة السياسية العالمية وتحديدا مع بداية القرن العشرين على اتباع أساليب وتأسيس مجالس نيابية ودعم الصوت الحر في الاختيار الشعبي لممثلي البلاد ومنح الإرادة الجماهيرية في المشاركة بمجريات الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للنظام القائم في البلاد التي تشهد انتخابات نيابية توصل فيها ممثلي الشعب إلى أروقة وقاعات البرلمانات لتحديد آفاق الحياة النيابية وتسريع القوانين والأنظمة واحترام إرادة الشعب وتعزيز مفهوم العدالة الاجتماعية ورعاية حقوق الإنسان ورفع الظلم والتعسف الاجتماعي عن جميع مظاهر الحياة وفق أسس ومعايير أخلاقية وقانونية ،وبتسارع الأحداث وقيام الولايات المتحدة الأمريكية بالاحتلال العسكري للعراق في التاسع من نيسان عام ٢٠٠٣ البدء بتأسيس ما يسمى بالعملية السياسية في البلاد ودعم برامجها وتوجهاتها بمشاركة أحزاب السلطة التي رافقت الاحتلال أو أصبحت مؤيدة له ضمن إطار مجلس الحكم الذي شكله وأشرف عليه الحاكم المدني الأمريكي بول برايمر وكان البداية لخمسة جولات من الانتخابات البرلمانية التي شهدتها الحكومات التي تلت الاحتلال وكان آخرها ما أعلنت عنه حكومة الكاظمي في العاشر من تشرين الاول ٢٠٢١ عندما أعلنت عن تحديد هذا التاريخ موعدا لانتخاب مجلس نيابي جديد يضم (٣٢٩) نائب في انتخابات اعتبرتها مبكرة وأنها جاءت استجابة لمطالب ثورة تشرين المجيدة ولتهدئة غضب الشارع إثر الاحتجاجات الشعبية الكبرى في الأول من تشرين الأول ٢٠١٩ ، وضمت هذه الانتخابات ٨٣ دائرة انتخابية وبواقع ٨٢٧٣ صندوق للاقتراع الشخصي وبمشاركة أحزاب السلطة وبعض التيارات السياسية وبلغ عدد مرشحيها ٣٢٤٠ شخصا منهم ٩٥٠ امرأة و٧٨٩ مستقبلا، وجرت الانتخابات في ظل صراع سياسي داخلي رافقها اهتمام دولي وإقليمي للحفاظ على مناطق النفوذ في العراق ومصالح الدول الكبرى وشاركت الأمم المتحدة في الإشراف على سير الانتخابات تنفيذا لقرار مجلس الأمن الدولي برقم ٢٥٧٦ الصادر في أيار ٢٠٢١ الذي حدد بموجبه عمل بعثة الأمم المتحدة لتشمل مراقبة الانتخابات والتركيز على الإطار القانوني وإدارة الانتخابات والحملات الانتخابية وإدارة وسائل الإعلام والتصويت والعد والفرز الالكتروني ثم الاعلان عن النتائج وضمت البعثة ٥٠٠ مراقب حسب إعلان المفوضية المستقلة منهم ١٥٠ موظفا في الأمم المتحدة و٧٠ آخرين من الاتحاد الأوروبي وآخرين من الجامعة العربية ومنظمات إقليمية ودولية مختصة .جاءت الوقائع الميدانية لعملية الانتخابات صباح يوم العاشر من تشرين الأول مخالفة لجميع الآراء التي كانت تأمل بمشاركة جماهيرية واسعة وتوجه كبير نحو صناديق الاقتراع ولكن الصوت العراقي الحر أثبت جديته وحرصه على أن يكون أمينا في التعبير عن متطلبات وأهداف الشعب العراقي الذي خرج مطالبا بحريته واستقلاله الوطني ورفضه لجميع الأحزاب السياسية المشاركة في العملية السياسية وللتدخلات الإقليمية والدولية وتأثيراتها على القرار السياسي العراقي المستقل والتدخل بشؤونه الداخلية ورسم معالم حياته المستقبلية، وهي أهداف نادت بها المجاميع الشبابية والثورية وساندتها جميع شرائح المجتمع العراقي من زعماء العشائر العراقية الأصيلة والقوى الوطنية المناهضة الاحتلال الامريكي والنفوذ الإيراني ودعمتها جميع المنظمات الجماهيرية والفعاليات الشعبية فكأن عرسا عراقيا كبيرا زاهيا احتضنته ساحات وميادين مدينة بغداد الحبيبة ومحافظات الفرات الأوسط والجنوب الأغر في ثورة تشرين المباركة. جاء العزوف الشعبي عن المشاركة الواسعة في الانتخابات تعبير صادق عن الاستياء الواسع من الحالة المأساوية التي وصل إليها أبناء الشعب العراقي في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وازدياد حالات الفساد المالي والاقتصادي وهدر الأموال العامة وسرقة ثروات البلاد وتبيض الأموال وانتشار شبكات المافيا وتجارة المخدرات والقتل والترويع والتغيير القسري وتدهور الخدمات العامة المقدمة لأبناء الشعب واضمحلال البرامج التنموية وغياب التنمية الاجتماعية والتجارية والصناعية لمجمل آفاق الأمة العلمي والتكنولوجي في العراق بحيث وصلت نسبة العاطلين عن العمل ١٠ مليون شخص لا توجد لديهم وظائف ولا تحتضنهم مؤسسات ووزارات الدولة ولا استفيد من خبراتهم المعرفية والعلمية في تقدم وازدهار البلاد ، كما أن النظام الاقتصادي في العراق قد شهد انخفاضا واسعا وتدهور كبيرا اقر بشكل ملحوظ على طبيعة المشاريع والاستثمارات القائمة في البلاد بعد أن وصل العجز المالي في ميزانية العراق إلى ١٦٣ مليار دولار مع مديونية مالية تقدر ب ٢٠٠ مليار دولار وغياب وتهريب ٣٠٠ مليار خارج العراق من قبل بعض الأحزاب السياسية المتنفذة والشخصيات الحاكمة ذات النفوذ المالي والاقتصادي. تمكنت القوى الوطنية والقطاعات الشعبية التي قامت بثورة تشرين المجيدة من تحديد أفكار ميدانية لمعالجة الأزمات التي يعاني منها المجتمع العراقي وإخراج البلاد مت أزماتها المالية والاقتصادية وخلق بيئة أمنية تساهم في تحسين وإدارة الدولة ورسم ملامح مستقبل الأجيال القادمة وتحديد البرامج والأهداف السياسية التي ترتقي بالعراق وتعود به وتأثيره العربي والإقليمي والدولي وحل مشاكله الداخلية ، كما وان من أهم الأسباب التي أدت إلى مقاطعة الانتخابات هي فشل الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي في تأمين العيش الكريم للمواطن وحفظ كرامته وتعزيز استقلاله الوطني والاخفاق في محاسبة قتلة المتظاهرين وتغيب اصحاب الرأي والفكر الوطني ومحاكمة المليشيات المسلحة التي ساهمت في قتل ٨٠٠ متظاهر من شباب العراق واصابة ٢٨ ألف آخرين واغتيال ١٢٦ من الكتاب والصحفيين والإعلاميين والناشطين السياسيين الداعمين لثورة تشرين المجيدة وللقناعة الراسخة أن نتائج الانتخابات هي إعادة إنتاج مرشحي الأحزاب السياسية وفق منظومة المحاصصة والتوافقات السياسية الطائفية وإن تغيرت بعض الوجوه ولكنها بنسب قليلة إذا ما قورنت بالأعداد الفائزة. ستبقى سمة الانتخابات في العراق بعيدة عن آمال وطموحات الشعب وسعيه للتغيير الشامل الذي لا يتم إلا عبر استمرار المطالبات الشعبية وتصعيد أهدافها ورفض الأحزاب والحركات والكتل السياسية وتدعيم المساندة الجماهيرية بسواعد وأهداف شباب ثورة تشرين المباركة وطلائعها الجماهيرية وقواعدها الشعبية.