العراق في مؤشر مخاطر الرشوة العالمي لعام 2022
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تعتبر عملية البناء المجتمعي والإنساني من أهم القواعد الرئيسية في ازدهار وتقدم الشعوب ومن الركائز المهمة في إرساء مفاهيم العدالة الاجتماعية واحترام إرادة الإنسان وتطبيق القوانين والأنظمة ضمن مجتمع تسوده روح التعاون والتسامح للوصول إلى حياة سعيدة وغد أفضل وتعزيز المفاهيم والقيم المجتمعية القائمة على رفض الاستغلال واستباحة المال الحرام والتنعم به والعمل على تقديم الخدمات الإنسانية ومساعدة المواطنين في التخفيف عن معاناتهم ومكابدتهم اليومية نتيجة الأوضاع المأساوية التي يعيشونها والأزمات التي مرت عليهم والأخذ بأيديهم نحو تحقيق قدرا من السعادة والرفاهية التي تساهم في إغناء الجانب الإنساني لديهم واغتنام الفرص المجتمعية لبناء قاعدة من العلاقات الوحدانية التي تعين المواطن وتشعره بالالتزام والعمل نحو اسعاده والتخفيف عنه وتبعده عن اتباع أساليب التضليل والخداع في عملية البناء المجتمعي والتكوين الإنساني وتعزيز القيم الروحية التي توصل إلى بناء مجتمع قائم على نظام أصولي تتعزز فيه روح المواطنة وتتفاعل معه الأفكار و الآراء الإيجابية نحو البناء والأعمار والتقدم والازدهار والتغيير والإصلاح، وهذه المفاهيم الناضجة تحتاج إلى أدوات صادقة ومضامين هادفة وعوامل صائبة توصل إلى بناء حقيقي للإنسان الذي يعتبر ثمرة الإصلاح المجتمعي وغاية الدول المتحضرة والمؤسسات التربوية والتعليمية والمراكز البحثية التي تؤسس إلى حواضن راقية من العمل المتواصل الهادف لخدمة المواطن باستخدام جميع الطرق والسبل الصحيحة لتنفيذ الإجراءات والتوجيهات القائمة على أصول دقيقة من التواصل الانساني والتفاعل معه وإضعاف طلباته والتخفيف عن معاناته اليومية بعيدا عن كل أشكال التعسف في التعامل وتعزيز الإرادة الإيجابية في روح التبادل والانسجام بين مؤسسات الدولة وأبناء الشعب لكي تتحقق دائرة المنفعة الإيجابية وصولا إلى إنجازات قيمية وبناء حضاري ورقي اجتماعي وانتعاش اقتصادي وحياة سعيدة تتحقق للمواطنين .
لا يمكن بناء المجتمع الإنساني الراقي إلا عبر العديد من المفاهيم الروحية والقيم الاجتماعية والأفكار الرائدة التي تعزز مكانة المواطن وتبني فيه روح العطاء والإبداع والانتماء الحقيقي الرصين لبلده والعمل ضمن إطار وروح التعاون بين جميع أبناء المجتمع بعيدا عن أي سلوك شائن وتصرف مريب يسئ إلى تاريخ وحضارة البلاد وطبيعة العلاقات القائمة بين أبناء البلد الواحد، ولكن اذا نظرنا بعين الباحث وبقراءة المتابع لما الت اليه نتائج الاحتلال الامريكي للعراق في التاسع من نيسان عام 2003 وما وصل إليه المجتمع من ارتدادات فكرية باتباع أساليب تتنافى وطبيعة القيم التربوية التي تربى عليها أبناء الشعب العراقي وكيفية وصولها إلى مراحل من الطبائع والسلوك الاجتماعي الذي استحل الحرام واذت النفوس الطاهرة وابتعاد عن قيم وإنسانية وشيم العراقيين التي كانت إحدى الدعائم الأساسية في بناء مجتمعهم الرصين وثباتهم رغم الأزمات والمصاعب التي مرت عليهم، ولكن هناك النفر الضال الذي انصرف إلى اتباع أساليب الرشوة والاختلاس وسرقة المال العام وتبييض الأموال وترتيبها لخارج الحدود والاتجار بالمخدرات والعبث بثروات البلاد ، هذا النفر الضال من بعض شرائح المجتمع داوم على سلوك شجع على غناء الفاسدين وزيادة شبكات الفساد المدعومة من قبل بعض الشخصيات الفاعلة في المشهد السياسي العام بفعل العديد من المنافع المالية الفئوية للعديد من الأحزاب والكتل السياسية، وانتشرت ظاهرة الرشوة في المؤسسات الحكومية والدوائر الخدمية وأصبحت سلوك يومي يفرض على المواطن العراقي الذي رأى أن مجتمعه أصبح لا يعمل إلا عبر تقديم الرشوة والهدايا والأموال لتقديم خدمات أو عون او إجراء وظيفي في دوائر ومؤسسات بلاده .
وعند اطلاعنا على مؤشر مخاطر الرشوة العالمي لسنة 2022 والصادر عن منظمة(TRACE) العالمية المتخصصة في رصد ومكافحة الفساد بشتى اشكاله في مجالات المال والأعمال نرى أن العراق قد احتل المرتبة (163) عالميا من بين(192) دولة واحتل المرتبة 12 عربيا ضمن مقاسات تتعلق بمخاطر الرشوة وتتضمن أربعة مجالات هي التفاعلات التجارية مع الحكومة وكيفية مكافحة الرشوة وشفافية الحكومة والخدمة المدنية والقدرة على مراقبة المجتمع المدني بما في ذلك وسائل الإعلام المختلفة، وهي مجالات تتحقق فيها الأدوات التي من الممكن أن تظهر فيها عوامل تساعد على تمدد ظاهرة الرشوة وارتفاع نسبتها بعدم وجود مراقبة ذاتية او حكومية إشرافية عبر منظومات تهتم بمتابعة الرشوة والقضاء عليها ومحاسبة المرتشين وإحالتهم إلى القضاء العادل، وتبقى القدرة الكامنة للرقابة الشعبية ووسائل الإعلام بكافة أدواتها تفضح وتعري هؤلاء الفاسدين وكشف شركاتهم وعلاقاتهم ونواياهم الدنيئة تجاه أبناء بلدهم.
ويمكن تعريف الرشوة بأنها(قيام الموظف بتأخير أو عرقلة المعاملات لا سيما في الدوائر التي تشهد زخما بإعداد المراجعين احسن استيفاء مبالغ مالية أكثر من المبلغ المسجل في الوصولات الرسمية وفقا لهيئة النزاهة الداخلية) ، ومن أركان الرشوة الموظفين العموميين في مؤسسات ودوائر الدولة وكل من فوضته إحدى السلطات العامة للقيام بعمل معين في حدود العمل المفوض فيه، وأطرافها هم الراشي وهو صاحب المصلحة والمرتشي وهو الموظف العام والرائش وهو الوسيط بينهما وعادة ما تدفع الرشوة عند تضارب المصالح اما مباشرة أو على شكل مدفوعات كالهدايا والأموال والتعينات.
والرشوة تعتبر سلوك اجتماعي يستفحل بسبب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي سببتها الأزمات والحروب والروتين الإداري وضعف الرقابة الحكومية وسيادة الإدارة البيروقراطية وانحدار مستوى التعليم وسوء استخدام السلطة هي عوامل تساهم في تفشي ظاهرة الرشوة وفساد المجتمع، وهي من الجرائم الفاسدة والمفسدة وان تمكنت من الانتشار أفسدت جسد المجتمع وأصبحت معاول للهدم والتخريب وزعزعة أركان الدولة ومنظوماتها المالية والاقتصادية وتوصل إلى إضعاف ثقة الأفراد بالسلطة العامة ونزاهتها وتؤدي إلى الإخلال بالمساواة بين المواطنين بظلم الضعفاء وهضم حقوقهم وإضاعتها لعدم مقدرتهم على الدفع وتقديم الهدايا والأموال.
تبقى الرشوة ظاهرة تهدد الأمن المجتمعي وتؤثر على حياة المواطن وتسبب الأفراد حقوقهم وتساهم في إفساد النفوس التي تعمل على إجبار الفرد على الدفع من أجل تسريع الإجراءات الإدارية والحصول على معاملة وخدمة أفضل، وهذا يتطلب إجراءات فعالة ورادعة وقرارات شجاعة وجريئة لرفع الظلم الاجتماعي ومحاسبة الفاسدين مهما كانت مواقعهم الرسمية والحزبية عبر تطبيق وتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وتعزيز الدور الرقابي وتنفيذ مبدأ العقوبات والثواب وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعاشي.