وازع الضمير
الناقد أدهم الشبيب
لهذا المصدر الحسي النفسي -المهم في تكوين الإنسان وتفاعلات قلبه وعقله وروحه – أثر كبير على خصائص شخصيته النهائية وما يبدر منها من تصرفات وما يصدر عنها من أفعال وردود الأفعال.
الضمير حكمه أشد من حكم الدين في سلطته على الإنسان ومخرجاته النفسية والعملية ، فالدين تأثيره من الخارج ولن يصبح مؤثرا ذاتيا إلا إذا تسرب إلى الضمير وتشرب فيه، ولذا فالدين يريد -فيما يريد- أن يهذب الضمير كي يعتدل تصرف الإنسان متبعا خلقا معينا ينأى به عن أذية نفسه وإلحاق الضرر بالناس والحياة من حوله، فبغير اقتناع الضمير وتشبعه بإيمان وقناعة نادى بها ذلك الدين أو تلك الأخلاقيات فإن الإنسان لن ينصاع ولن يتبع وستبقى التعاليم حبرا على ورق أو أصوات منبرية لا تطبيق لها على أرض الواقع، وحينئذ سينوب القانون الصارم مناب الدين، أو أن يفعل الجزء العقابي من الدين بنوده وحدوده.
أما إذا تهذب الضمير وترسخت قناعات الإنسان وقيمه ومبادئه فلن يصعب على الدين إرشاده ولن تعجز الأخلاق عن توجيهه ولن يتعثر القانون في تهذيبه، وإذا غاب ضمير الإنسان غاب عنه الرقيب الحي الصارم الذي لا يغفل ولا ينسى ولا يكسل وحينئذ يعيث الإنسان في الأرض فسادا كلما غاب رادع القانون ومانع الخوف أو دافع الحياء.
فالإنسان يلزم نفسه بإطاعة ضميره فهو يفعل ما يظن أنه الحق وليس بما هو الحق فعلا، وقد يكون الحق الذي يؤمن به هو الباطل، فإذا أراد المجتمع أو المربون تقويم الإنسان فعليهم العمل على توعية ضميره وإرضاعه قيما تستقر في وجدانه كما يفعل الدين الذي ينفذ -في أغلب تعاليمه- إلى عمق النفس والضمير فيؤسس فيهما تأسيسا يكون ما فوقه تبعا له.
حتى إذا خلا الإنسان وتهيأت له فرصة استغلال أخيه الإنسان أو تخريب الطبيعة أو أذى الحيوان بعيدا عن طائلة القانون يبرز نداء الضمير فيراقبه ويحاسبه ويغلبه فيمنعه، ومن هنا ترسخ قيم الإنسانية بعيدا عن العنصرية، ومعاني الوطنية بعيدا عن الطائفية وجمال الندية بعيدا عن الطبقية وتعاون صاحب النفوذ و تواضع صاحب الجاه وإخلاص صاحب العمل والوظيفة سواء زاد أجره أو قل.
في دائرة الجمارك في مدينة عراقية معينة كنت استخرج أوراق سيارتي للسفر بها إلى بلد اجنبي فاستغل صاحب مكتب العرائض جهلي بالإجراءات وغربتي عن المدينة فأراد ان يكسب مني مالا حراما بالاستغفال فادعى أن علي أن أدفع مبلغ 50 دولارا للترجمة والتصديق وقد دفعت فعلا إضافة للمصاريف الرسمية الأخرى ولكني تشككت في الأمر إذ بدا لي غير منطقي فصعبت علي نفسي أن أخدع فرحت أسأل غير واحد من الموظفين أو المكاتب الذين بدا أنهم اتفقوا على أن يساعدوا هذا المحتال في فعلته والسبب هو العنصرية فطالما الضحية غريب ونحن أبناء قومية واحدة ولغة واحدة فحلال علينا، فغلب جملي، حتى ظفرت بموظف من جلدتهم ولغتهم نفسها ولكنه استنكر الفعلة وصارحني إن هذا نصب واحتيال وإنه إجراء شخصي و غير قانوني ونصحني أن اقابل المدير ففعلت ووجدته خيرا من الأول خلقا ودماثة فأرسل معي موظفا أسترد مالي ووبخ صاحب المكتب الذي بدا مذهولا من تكالب بني جلدته عليه وهو المرتجي منهم نصرته ظالما أو مظلوما واستغلال هذا الغريب الذي لا يعرفونه ولا يقربونه والمفترض أنه خصمهم ويكرهونه ولكنهم خالفوا ظنه ولم يفعلوا، بل أطاعوا هاجسا وازعا خفيا متحكما آمرا يهدي ويضل ويفجر ويتقي ويحلل ويحرم ويحط بالإنسان -إذا غاب الرقيب- إلى مهاوي البهائم والمجرمين أو يرفعه إلى مراقي النبل والشرف ومعاني الإنسانية دون حاجة إلى رقيب … إنه الضمير.