سؤال الأرقام والتهافت الأخلاقي والما بعد؟.
بقلم : صالح لطفي/ باحث ومحلل سياسي
مدخل المقالة..
شاهد العالم أجمع ما فعله جيش الاحتلال الإسرائيلي وهو يعتقل المدنيين في غزة هذا الأسبوع من المدارس وفيها من اللاجئين ما فيها ، ويجمعهم على صعيد واحد رغم شدة البرد ثم يعريهم ليبقيهم في لباسهم الداخلي دون ادنى شعور وخجل ورحمة اتجاه المسنين والمرضى… وقد تبجح جيش الاحتلال بمشهد النصر على ” المخربين” وهو يجمعهم كالقطيع ثم يجمعهم في مركباته وعرباته العسكرية المفتوحة ويصورهم وهو ينقلهم وكأنهم حيوانات في تماثل مقزز لما قاله وزير حربهم جالانت في إعلان حربه في الثامن من أكتوبر الفارط على غزة والمقاومة في أنه يُحارب حيوانات بشرية .
لقد شاهد الناس المعتقلين وعلى أيديهم أرقام أي أنه تم ترقيمهم في ظاهرة ومشهد غير مسبوق سوى ما فعلوه مع عمال غزة يوم تم تجميعهم من مختلف البلدان في النصف الأول من بعد السابع من أكتوبر الفارط ، وهذا الفعل السادي يدفع لسؤال المعنى ، أي الغاية من وراء هذه الفعلة، والأخلاق والتاريخ، تاريخ هذه الظاهرة ، وسؤال الما بعد.
في هذه المقالة لن اتناول سؤال الأخلاق رغم أهميته إذ ينطلق كاتب المقالة من أن الاحتلال الإسرائيلي يعتبر كافة ممارساته أخلاقية بل وذروة الاخلاق مستندًا إلى افعال قام بها الأمريكان والغرب في حروبهم على منطقتنا حيث الأغلبية الساحقة من المسلمين السنة بل وتبجح أكثر من وزير إسرائيلي في أنّ ما يفعلونه في غزة لا شيء مقابل ما فعله تشرتشل في الحرب العالمية الثانية في المدن الألمانية.
مُقاربات تاريخية..
الاحتلال الإسرائيلي ليس بدعة عن الاستعمارات التي حدثت في تاريخ البشرية خاصة ما تعرّفنا عليه في المئات الستة الأخيرة من تاريخ البشرية سواء الاستعمار القديم ممثلًا بالبرتغاليين والإسبان وما عرف بالاستعمار الحديث ممثلا بالهولنديين والبلجيك والألمان والفرنسيين والبريطانيين، والاستعمار قديمه وحديثه يعتبر نكسة وانتكاسة في تاريخ الإنسانية… وما شهدته بلداننا العربية والإسلامية في العشريات الأخيرة من قبل الجيوش الفرنسية والأمريكية والروسية والنُظم الفاشية والديكتاوتورية تجعل الاحتلال الإسرائيلي وممارساته اليومية في قطاع غزة تحت حماية أمريكية مباشرة في مصافي الدول المارقة التي ترفض الاستجابة والانصياع للقوانين التي وضعتها الأمم المتحدة التي تأسست بعد انهيار الرايخ الألماني.
لم يحدث في تاريخ الحروب المُعاصرة أن تم ترقيم المعتقلين من المدنيين، والحديث يدور عن القرن العشرين الفارط والعقدين من هذا القرن، عن قيام الجيوش الغازية والمحتلة والحكومات في اعتقال المدنيين وترقيمهم إلا في حالات ثلاثة. الحالة الأولى فيما قام به الجيش الألماني النازي بين سنوات 1941-1945 مع اليهود في ألمانيا وبولندا ومدرب البلطيق ، وكان تسجيل الأرقام ضمن مشروع الإبادة الذي شرعت بتنفيذه القوات النارية في أوروبا والمعروف بالهولوكست أي الإبادة الجماعية، واعتبرت هذه الجريمة سُبةً في جبين الإنسانية الأوروبية وعارٌ يلاحقها أبد الدهر وشكل سببًا مباشرًا للبحث عن حل جذري لسؤال اليهود في أوروبا، ورافق هذه الجريمة النكراء بحق اليهود آنذاك ثلاثة عمليات إجرامية تجعل في قيم ما بعد الحرب العالمية الثانية من يرتكبها مجرم حرب يجب محاربته وملاحقته أينما كان، هذه العمليات : الحصار والتجويع والاعتقال الجماعي ومعاملتهم وكأنهم حيوانات.
الحالة الثانية عشناها في تسعينيات القرن الفارط في معاملة الصرب مع مسلمي يوغسلافيا وتحديدًا مسلمي البوسنة والهرسك وقد مارسوا بحق المسلمين ما فعلته النازية مع اليهود وإذا كانت المانيا دولة الرايخ قد مارست الإبادة مع اليهود ضمن منظومة مبرمجة مع دعم وموافقة خفية من بعض الدول الأوروبية آنذاك فإن الحرب على المسلمين وإبادتهم وترقيمهم واغتصاب نسائهم وتجويعهم وحصارهم تم بموافقة روسية ومساعدة أوروبية خاصة هولندية وفرنسية، ولا تزال خفايا الإبادة الجماعية في البوسنة تتكشف فواحشها وعْظم جرائمها إلى هذه اللحظات . وكانت الحالة الثالثة، ما يمارسه جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة اليوم بموافقة اممية رسمية وصمت وتواطؤ عربي ودعم أورو- أمريكي علني ومع كل ذلك ورمزية هذه الجريمة في السياقين الأخلاقي والإنساني فإنّ واشنطن ما زالت تتبجح في نفاق ممجوج وبالٍ، أنها مع الحفاظ على أرواح الأبرياء من جهة وتحتج على هذا المشهد من جهة ثانية وفي المقابل تعلن عبر وزرائها ومن يمثلها في مجلس الأمن أنها ليست مع وقف الحرب على غزة رغم اعترافها أن أكثر من ثلث القاذفات على غزة كانت غبية…
ترقيم المعتقلين الفلسطينيين دون أدنى بيانٍ عنهم وعن وجهة اعتقالهم أثار شعوب العالم التي تتماهى مع الألم الإنساني وأحرج الكثير من المتحدثين الإسرائيليين حين سؤالهم عن هذه الجريمة التي تعتقد أجهزة الأمن والعسكر أنها جزء من هدم معنويات الغزيين ودفعهم للاستسلام.
سؤال الترقيم لا يذكرنا بالماضي غير البعيد الذي تعرض له أجداد بعض من قام بهذه الجريمة بقدر ما يذكرنا مُجددًا بأخلاقيات هذا الجيش وشعوره الدائم بالحماية من الولايات المتحدة وأنه لا يُسألُ عما يفعل، فهم فوق القانون ليس برسم أنهم من بني آدم بل لأنهم فوق بني البشر، إذ هم شعب الله المُختار ومن الشرعي أن يفعلوا ما يشاؤون، بل وصل ببعض المحللين الإسرائيليين الإسفاف والانحطاط الأخلاقي كما في القنوات 11،12،13،14 النظر إلى هذه العملية ، تعرية الغزيين وترقيمهم بأنه العمل الطبيعي للعسكر واستهتروا بالانتقادات العالمية ودعا بعضهم ضرب الانتقادات بعرض الحائط ، وطالب نائب رئيس بلدية القدس بقتل المدنيين الغزيين وأن ما يِفعلُ بهم أمر طبيعي لأنهم حيوانات وأسفّ من ذلك تبرير هذا الإعلام المأزوم هذه الفعلة الشنيعة والجريمة النكراء إنهم أولًا غزيون وثانيًا مخربون ومن ثم فهذا جزاؤهم، ولا يجرؤون على ذكر التبرير الديني الأخلاقي المِتخرج منه في تبرير القتل والإبادة.
هذا الترقيم للمدنيين الفلسطينيين ليس مجرد نشوة وهوى مارسه بعضٌ من الجنود بل هو سياسة موجهة من جهات عليا قامت بتعبئة وتوجيه عنصري تمت ترجمته فورًا بالقتل والقنص والاعتقال والتجريد من الملابس لتعريته أخلاقيا وتدميره نفسيًا لتكون تداعياته المِباشرة على المقاتل الفلسطيني دفعًا نحو الاستسلام وهو ما سمعناه مباشرًة بعد هذا الحدث من رئيس الوزراء وما سمعناه تاليًا من جالانت وزير الدفاع بشأن اكتمال الظروف ونضوجها لمبادرة جديدة لتحرير أسرى إسرائيليين بين يدي المقاومة. وإذا كان الاحتلال وحكومته يسعيان لصورة نصر تشفي صدور الإسرائيليين فليس مثل هذه الصورة خاصة وأن الإسرائيلي يعتبر إعلامه بقرة مقدسة لا يجوز الاحتجاج عليها أو التعقيب ، ومن ثم فقد وُجِهَ الإعلام الإسرائيلي إلى مثل هذا الهدف، هدف النصر ومشهديته المتجلية بالجندي الإسرائيلي المنتفش منتصرًا على هؤلاء “المخربين”.
كشفت هذه الحرب المتسمة بعالميتها عن حجم النفاق العالمي إذ يرى الأمريكي بمشهد تجريد الفلسطيني من لباسه أمرًا عاديًا بل هو من متطلبات الحرب، وقد فعل ذلك من قبل في العراق ولا تزال شهادات معتقل أبي غريب تصفع منظومات القيم الحداثية. وهذه الحرب إذ يشارك فيها الدول الغربية بشقيها المسيحي الكاثوليكي والمسيحي الإنجيلي البروتستانتي وتنفذها إسرائيل بجيشها وأجهزة أمنها المختلفة وبتواطؤ أممي وعربي رسمي يدفع نحو سؤال الما بعد. فهذه الحرب لن تستمر عدد سنين فلا الاحتلال يتحمل ذلك ولا داعميه خاصة وأن المشاكل الداخلية بدأت تعصف بهذه الدول وتراجع مصداقيتها أمام شعوبها والعالم وتكشفت حقيقة إسرائيل والولايات المتحدة كدولة داعمة للإبادة وهو ما يجعل سؤال مستقبل القطاع والقضية الفلسطينية حارقًا ومقلقًا في آن واحد.
إسرائيليًا تشهد هذه الحرب على حجم الخلافات الداخلية البينية داخل المؤسسة الحاكمة والمجلس الوزاري المِصغر ومجلس الحرب وتسرب الشخصانية إليها حماية للبعض واستغلالًا للدم الغزي كجسر انتخابي قادم. ولكن في المقابل يتم وبذكاء تمرير هذه الحرب لإعادة بناء وترميم الهوية التي تشققت بعد مساعي اليمين لفرض أجنداته وإدخال تعديلات جوهرية في المبنى القانوني والقضائي للدولة وشارك في هذه العملية كافة المؤسسات الفاعلة في الدولة لنشهدّ اصطفافًا غير مسبوق في التوافق على هذه الحرب وجعلها أداةً من أدوات إعادة بناء الهوية وترميمها داخليًا على حساب الدم الفلسطيني في غزة ضمن رواية استحالت سردية إسرائيلية ستكون مكونًا تأسيسيًا لإسرائيل ما بعد أكتوبر 2023. ويدافع عن هذه السردية جيش من الإعلاميين والسياسيين والمحللين والأكاديميين تُذكرنا بالدفاع الذي ما زال قائمًا عن السردية الصهيونية للنكبة رغم تعريتها وفضحها على أكثر من صعيد وحالة.
من بيانات الما بعد؟.
هذه الحرب كشفت عن مجموعة من القضايا ذات الصلة في معنى العلاقة مع الفلسطيني فردًا وكيانًا فلا حق للفلسطينيين في أن يكون لهم كيانٌ سياسي يملك الحد الأدنى من الاستقلال، ولا مكان للفلسطيني تحت الشمس إلا إذا كان عبدًا مُهجَرًا يعيش تحت سيطرة الاخر بغض النظر عن هذا الآخر، ولا مكان للإسلامي الفلسطيني المُؤمن بالتمكين السياسي القائم على المفاهيم والرؤى الإسلامية ، ولا مكان للمقاومة أيًا كان نوعها والفلسطيني بين أمرين لا ثالث لهما إما أن يعيش ضمن دوائر العبودية التي يقررها المحتل او الوصي على أرضه أو السجون والمعتقلات وحروب الإبادة والتهجير والملفت أنه يتم البحث والدراسة والسؤال عن مستقبل غزة وكأن المقاومة قد استسلمت وانتهى أمرها وكأنها فصُّ ملح وقد ذاب. وهذا كله يتم وجيش الاحتلال يعترف بشراسة المقاومة وأنّ ” تنظيف” القطاع من المقاومة كما تذكر القيادة العسكرية الإسرائيلية يحتاج إلى عدد شهور ، وهو ما يدفع للقول ان طروحات الما بعد هي جزء من الفعل السياسي الساعي لمحاصرة المقاومة ضمن سياقات إعادة البناء المدني للقطاع وإخراج المقاومة من المعادلات السياسية المستقبلية… وهذه الما بعديات بدأنا نلتقط بعضًا من تجلياتها في توجيهات بايدن وطروحاته ورفضه لأقوال نتنياهو حول مستقبل القضية الفلسطينية وإن خضعت هذه الأقوال راهنًا لوضعيته وحزبه المُحرجة جدًا انتخابيا.
خاتمة…
إذا كان سؤال الترقيم قد أرهق واستفز العالم المتمدن من مؤسسات وجماعات شبابية أكاديمية وإذا كان سؤال الترقيم لم تُعنَ به المنظومات والحكومات الرسمية العربية والأوروبية والولايات المتحدة فإنّ ذلك يعود ابتداءً إلى فساد هذه الأنظمة وتواطؤها على شعوبها ومدى تناقضها خاصة الأوروبية والولايات المتحدة في علاقات الحقوق والإنسان ، فقد كشفت هذه الحرب عمومًا وهذه السبة، سبة الترقيم، تحديدًا عن أن من يملك القوة والحماية يستطيع أن يفعل ما يشاء ويضرب بعرض الحائط كل الملاحظات والتعقيبات والانتقادات ولو وصلت إلى مجلس الأمن فإذا كانت ملة الكفر واحدة فكذلك التوحش المُعاصر الصادر عن جيوش نظامية واحدٌ كذلك. ولا مكان لسؤال الحقوق والكرامة والإنسان والأخلاق، فلغة العصر هي لغة القوة ومن ملكها ملك نواصي الأحداث وتصاريفها وفلسفتها.
هكذا تقول دروس غزة.