العراق في اليوم العالمي لحقوق الإنسان
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
احتفل العالم هذه السنة بالذكرى السنوية الـ 75 لاعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ويصادف هذا العام أيضاً الذكرى السنوية الـ30 لإنشاء مفوضية الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان،
وطوال 75 عاماً تمثل الطموح الأساسي للإعلان في بث المساواة والحريات الأساسية والعدالة وغرسها في المجتمعات، كما كرس الإعلان حقوق جميع البشر وشكل مخططاً عالمياً للقوانين والسياسات الدولية والوطنية والمحلية وأساساً متيناً لخطة التنمية المستدامة لعام 2030.
ويعود تاريخ الاحتفال بيوم حقوق الإنسان إلى العام 1950 بعد أن أصدرت الجمعية العامة القرار رقم (V423) الذي دعت فيه جميع الدول والمنظمات الدولية إلى اعتماد يوم 10 ديسمبر من كل عام يوما عالميا لحقوق الإنسان.
ويأتي اختيار هذا التاريخ للدلالة على اليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بموجب القرار (217 A)، الذي حدد للمرة الأولى حقوق الإنسان الأساسية التي يتعين حمايتها عالمياً، ووضعت المنظمة الدولية هذا الإعلان بوصفه المعيار المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم.
ويهدف الاحتفال باليوم إلى تسليط الضوء على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من خلال التركيز على إرثه وأهميته والنشاط النضالي المنجز ضمن إطاره بحسب الأمم المتحدة.
وينص الإعلان في ديباجته، على 30 حقا عالمياً تحدد مجموعة واسعة من الحقوق والحريات الأساسي، وتشمل الحق في عدم التعرض للتمييز والحق في حرية التعبير والحق في التعليم والحق في طلب اللجوء.
ويشمل الإعلان أيضا مختلف الحقوق المدنية والسياسية للأفراد والجماعات من قبيل الحق في الحياة والحرية والخصوصية، ويشير إلى عدد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من قبيل الحق في الضمان الاجتماعي والصحة والسكن اللائق والعدالة في الأجور والحق في التصويت وغيرها.
والإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو وثيقة بارزة شكلت إنجازاً في تاريخ حقوق الإنسان، وهي كانت المرة الأولى التي يتفق فيها المجتمع الدولي على مجموعة من القيم المشتركة ويقر بأن الحقوق متأصلة في كل إنسان وفي كل مكان، وطوال العام 2023 سلطت مبادرة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الضوء على مجموعة متنوعة من قضايا حقوق الإنسان ينص عليها الإعلان العالمي وتحتاج إلى اتخاذ الدول وغيرها من الجهات المكلفة بمهام إجراءات عملية وعاجلة بشأنها، وواكبت هذا التركيز حوارات وطنية وإقليمية بالإضافة إلى حملة من أجل حشد التعهدات وتشجيع الدول والجهات الفاعلة الأخرى على الالتزام بتعهدات رائدة من أجل النهوض عملياً بحقوق الإنسان للشعوب.
يشدد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ديباجته على (الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم.).
ويأمل في تعزيز المعرفة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان باعتباره مخططاً أساسياً تسترشد به الإجراءات العملية الرامية إلى الدفاع عن حقوق الإنسان ومعالجة القضايا العالمية الملحّة في عالمنا اليوم.
ويتألّف الإعلان من ديباجة و30 مادة تحدد مجموعة واسعة من حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحق للجميع أن يتمتعوا بها أينما وجدوت في العالم. ويضمن الإعلان حقوقنا بدون أي تمييز على أساس الجنسية أو مكان الإقامة أو الجنس أو الأصل القومي أو العرقي أو الدين أو اللغة أو أي وضع آخر.
وعندما نستذكر اليوم العالمي لحقوق الإنسان فعلينا أن نشير إلى أن الوقائع الميدانية في العراق لا زالت تؤرق شعبه خاصة
بعد الاحتلال الأمريكي التي أصبحت أوضاع وحقوق الإنسان في العراق متردية وأسفرت المواجهات مع قوات المحتل دفاعا عن الأرض العراقية عن استشهاد الآف المواطنين الأحرار والأبرياء المدنيين واستباحت أرواحهم بانتهاكات واسعة النطاق في ظل المواجهات المستمرة ضد الأهداف والمصالح العدوانية المحتل الأمريكي وأذرعه في العراق، وبسبب ما ارتكبته قوات الجيش الأمريكي من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان جعلت البلاد تعيش في أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية مأساوية وظروف حياتية قاسية يتحمل المجتمع الدولي جزءاً كبيراً منها بعد الانهيار الواسع لمنظومة ومؤسسات الدولة العراقية والانتهاكات المروعة والمخيفة التي استهدفت حياة المواطن لتستمر الاعتقالات والتعذيب الجسدي ضمن ممارسات ممنهجة ووسائل معتمدة التأثير على روحية العراقيين ورفضهم للاحتلال البغيض وأدواته من المليشيات والفصائل المسلحة التي ارتكبت أبشع جرائم القتل والخطف وساهمت في عمليات التطهير العرقي والاكتفاء القسري .
وكانت ظاهرة الاختفاء القسري من الأمور الحيوية التي حظيت باهتمام دولي وإنساني عبر نشاطات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان التي تتابع بدقة الأوضاع الميدانية القائمة في العراق بعد الاحتلال الأمريكي والنفوذ والهيمنة الإيرانية ووجود المليشيات المسلحة التي تمتلك العديد من الإمكانيات المادية والتسليحية مما يساعدها على تنفيذ سياسة التغيب القسري واعتقال الناشطين السياسيين والإعلاميين الأحرار والشباب المنتفض والأصوات الداعية للتغيير واستمرار عمليات المتابعة لهم واعتقالهم في سجون خاصة لا يمكن الوصول إليهم أو اتخاذ أي إجراءات لعودتهم والضرب بقوة على الأدوات المنفذة لهذه العمليات .
وجاءت البيانات الاخيرة لمنظمة (هيومن رايتس ووتش) مطالبة الحكومة العراقية بضرورة الاهتمام بمتابعة قضايا المغيبين قسريا وإعداد قوائم بأسمائهم والاتصال بذويهم وعوائلهم وفق قواعد القانون الدولي والقوانين والاتفاقيات الخاصة بالاختفاء القسري حيث يعرف التغيب أنه (توقيف شخص ما على يد مسؤولين في الدولة أو وكلائها أو على يد أشخاص أو مجموعات تعمل بإذن من السلطات أو دعمها أو قبولها غير المعلن وعدم الاعتراف بالتوقيف أو الإفصاح عن مكان الشخص أو حالته).
عملت المنظمات الإنسانية بتأكيدها المتواصل على حسم وإيقاف عمليات الاختفاء القسري في العراق وضرورة قيام الحكومة العراقية بإجراءاتها الميدانية يتأتى من عدد المغيبين الذي وصل ما بين ( 12-15) ألف شخص في محافظة نينوى و(6) ألاف في محافظة الأنبار و(4) ألاف في محافظة صلاح الدين وحسب الإحصائيات والمعلومات التي أكدها المرصد العراقي لحقوق الإنسان .
تبقى قضية حقوق الإنسان من أهم القضايا التي تهم المجتمع كونها تتعلق بحياة المواطنين ووجودهم وعندما يسعى الآخرون إلى جعلها قضية سياسية وتوجهها بما خدم مصالحهم ومنافعهم الحزبية فنكون أمام فقدان لمفاهيم العدالة الاجتماعية واستمرار لإراقة الدم العراق الطاهر ، وهنا تقف الحكومة عاجزة عن التزاماتها بجميع البنود الواردة في الاتفاقية الدولية الخاصة بالمغيبين والتي وقعت عليها عام 2010 ولم تسع إلى إصدار العديد من التشريعات والقوانين الداعمة لعمل وفعالية الاتفاقية وتشكيل اللجان التحقيقية والبحث عن الجناة الميدانين والمسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم الإنسانية ولم يتم ملاحقة الفاعلين أو محاسبتهم وإيقاع العقوبات القانونية بحقهم .
ولم تكن جميع الإجراءات والأدوات التي اتبعتها الحكومة العراقية والوزارات والدوائر الخدمية التابعة لها كفيلة بمتابعة حياة وحقوق المواطنين النازحين وحل معاناتهم والتعامل معهم بشكل إيجابي يحقق لهم العودة إلى دورهم حيث بقيت أوضاعهم رهينة الظروف والأحداث القائمة واستخدمت معاناتهم من قبل بعض الأحزاب السياسية في التأثير على مقومات عودتهم بمسميات عديدة كونها تعاملت مع هذا الملف الإنساني بصورة سياسية وليس اجتماعية بعد أن أصبح عودة النازحين يستخدم بصيغ دعائية وتصريحات حكومية لا ترتقي إلى مكابداتهم مع بقاء أدوات الفساد وحلقاته الذين يسعون إلى بقاءها والتلاعب بالأموال العائدة للعوائل النازحة وصرف التعويضات المالية واستمرار عملية التسويف والمماطلة التي تتبعها بعض الجهات الحكومية على حساب حقوق النازحين.
تبقى الأهمية المجتمعية في احترام حقوق الإنسان والدفاع عن وجوده والتمسك وكرامته وتحقيق الحياة السعيدة له ولأسرته مرهونة بالعديد من الوسائل التي على جميع الحكومات القيام بها من تعزيز المكانة الروحية للإنسان قادمة الخدمات المقدمة له وإنهاء حالة الفوضى الإدارية وتفشي الفساد والرشوة والتلاعب بالأموال العامة وتهريبها وتبييضها للخارج والعبث بثروات البلاد والسعي لبناء وإقامة مجتمع مدني يحترم ويفيد إرادة الإنسان وطموحاته وغايته في الحياة الحرة الكريمة.