إجابة السَؤول بجواز اتِّباعِ الفاضلِ للمفضول

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

المقرَّرُ شرعاً وديناً وبالإجماع بأن سيدنا مُحَمَّداً صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أفضل الأنبياء والمرسلين، ومع ذلك أمره اللَّهُ تعالى بالاقتداء بمن سبقه منهم في قوله تعالى مخاطبا خليله مُحَمَّداً صلى اللَّهُ عليه وسلم في سورة الأنعام :((أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ)) الآية 90

وفيها جملة من المسائل:

الأولى :وفيها جواز اقتداء واتباع الفاضل للمفضول ومنه قصة سيدنا موسى عليه السلام مع سيدنا الخضر عليه السلام وقوله تعالى على لسان سيدنا موسى في سورة الكهف :((قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)) والمقرر في الشرع أن سيدنا موسى عليه السلام افضل من سيدنا الخضر، وفيه دليل قطعي على أن سيدنا الخضر هو نبي من الأنبياء بدلالة اتباع سيدنا موسى له وهو نبي رسول من أولي العزم، ولا يجوز شرعاً لنبي رسول ينزل عليه الوحي، أن يتَّبِعَ رجلاً لا ينزل عليه الوحي،  فاستوى موسى عليه السلام والخضر في منزلة النبوة، وتفاضلا في منزلة العلم، فإن موسى عليه السلام أعلم من سيدنا الخضر بالإطلاق، وإن سيدنا الخضر قد علم مالم يعلمه سيدنا موسى من بعض الغيوب بالتقييد الذي اطلع اللَّهُ عليه سيدنا الخضر، ولم يطلع عليه سيدنا موسى، فجهله سيدنا موسى وعلمه سيدنا الخضر، كما أن اللَّهَ قد اطلع سيدنا موسى ما لم يطلع عليه سيدنا الخضر، وهذا ما اخبر عنه النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كما في صحيح البخاري قوله على لسان سيدنا الخضر :(يا مُوسَى، إنَّكَ علَى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، وأَنَا علَى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لا تَعْلَمُهُ). فهذه النسبية في علم الغيب بين سيدنا موسى وسيدنا الخضر، هي التي أجازت للفاضل وهو سيدنا موسى أن يتبع سيدنا الخضر عليهما السلام.

وهذه النسبية وسبق الزمان والدعوة للانبياء والمرسلين هي التي اقتضت أمر رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باتباع سلفه من إخوانه الانبياء والمرسلين.

الثانية: قوله تعالى :((اقْتَدِهْ)) فالهاء للوقف والسكتة والفعل:”اقتدِ” فعل أمر مجزوم بحذف حرف العلة وأصله “يقتدي” وهو عائد على قوله جل وعلا:((فَبِهُدَاهُمُ)) أي اقتدِ بهداهم، والمقصود بهم الأنبياء والمرسلون صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.

الثالثة: متعلقة باختلاف القُرّاء في قوله تعالى :((اقْتَدِهْ)) قال الإمام البغوي في تفسيره:”اقتده ) الهاء فيها هاء الوقف ، وحذف حمزة والكسائي الهاء في الوصل ، والباقون بإثباتها وصلا ووقفا ، وقرأ ابن عامر : ” اقتده ” بإشباع الهاء

الرابعة: في معنى الإقتداء:قال الإمام الطبري في تفسيره:” ومعنى: ” الإقتداء ” في كلام العرب، بالرجل: اتباع أثره، والأخذ بهديه. يقال: ” فلان يقدو فلانًا “، إذا نحا نحوه، واتبع أثره،” قِدَة، وقُدوة وقِدوة وقِدْيَة “.

الخامسة: متعلقة بأن الأمر لرسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بالإقتداء بالانبياء والمرسلين في

  1_أصول الدين فإنها واحدة في كل الرسالات والنبوات.

2_كذلك المقصود بها الأحكام التي لم تُنسخ في شريعة الإسلام.

3_وكذلك الاقتداء بهم في صبرهم وجَلَدِهم وثباتهم في الدعوة إلى اللَّهِ تعالى وخصوصاً أُولي العزم منهم كما في قوله تعالى في سورة الأحقاف :((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ )) الآية 35.

السادسة: الأمر بالاقتداء بهم في مكارم الأخلاق وفضائل الشمائل ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) رواه البخاري في صحيحه.

وقوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(لم تستحي) بياء واحدة وأصلها :(تستحيي) بيائيْن فلما جُزمتْ ب (لم) الجازمة حذفت ياء واحدة وبقيت الياء الأولى، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة:((إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً) الآية 26

وقوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(إن مما أدرك الناسُ من كلام النبوة) فيه دليل على أن هذا اللفظ من الحديث:(إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) كان مشهورا بين الناس لأنه من كلام الانبياء السابقين ولكنهم لا يعرفون مصدر قائله، فاثبتَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مصدره، وَأَقَرَّ معناه ووافقه وقرَّرَه شرعاً وديناً وجعل الحياء شعبة من الإيمان ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه.

Similar Posts