إمام الإنسانية والحكمة والبلاغة

بقلم : الناقد أدهم الشبيب

لم تر العصور رجلا -غير موحى إليه-يتكلم بلسان إنساني شامل وعلم رباني كامل ومنهج فقهي عامل كمثل علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي صهر النبي محمد عليه الصلاة والسلام وربيبه وابن عمه.

هذا الرجل النبراس لم تشهد له البشرية عمومًا والبيئة العربية خصوصًا شبيهًا وإن ضجت وامتلأت بالعظماء ممن عاصروه وممن اختارهم الله لصحبة نبيه فجعلهم “كالنجوم بأيهم اقتدينا اهتدينا”.

وفضلا عن الدين وعمق اليقين، فعلي كان فردًا لا يشبهه من حوله، في العقل والشعور والفهم والاستبصار، جمعه بين ما لا يجمع يلفت الانتباه ويسحر أهل النهى والانصاف، فهو يحارب إلى حد طلب الموت ويتبصر حد حب الحياة، وهو الذي صور هذه المعضلة الأزلية أحسن تصوير بكلمات قليلات: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا”

ينقطع إلى الله كأحسن عابد زاهد حتى تخضل لحيته بدمعه فيقول للدنيا “غري غيري غري غيري فقد طلقتك بالثلاث”

نعم حقا، على الدنيا التي غرتنا جميعا وغرت كل من حوله في أواخر سنواته ألا تغر عظيم الزهد وعميق العقل والفهم الذي لا تنطلي عليه خدعة سنوات العيش القصيرات فهو يقرأ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ليس كما نقرأها نحن، هو يقرأ و يعي ويصدق.

 وهو يعلم ان الحياة المزهرة إنما هي طريق الموت المظلم المجهول فهو الذي يقول بجملة فلسفية مخيفة “أنفاسنا خطواتنا إلى الموت” بتجسيد مرعب للتناقض الصادم، فانظر كيف يكون العقل الذي يخرج الدنيا من قلب الرجل مهما حلت واخضرت، فأنفاسه خطواته إلى القبر، فهل يوقف أنفاسه كي لا يصل إليه!

علي الذي أراد ان يصلح الدنيا عندما قبل حكمها بعد عظماء الصحابة وهو منهم، بل هو الكفء الذي لا جدال عليه فقد قال فيه عمر العادل الزاهد “لو وليها الأجلح لحملهم على الجادة” أي لأصلح الناس وعدل فيهم. على الخليفتين سلام الله وبركاته.

الحصيف الذي يصدق من يخادعه لا لأنه غر حاشاه بل لأنه يعظم الله في نفسه ونفوس الناس، فلما عوتب في رجل خدعه قال “لم يخدعني إنما خدعنا بالله” أي ذاك الرجل حلف لي وعاهد بالله.

علي ذو العقل الجبار الذي لو أراد أن يناور في السياسة ويخادع لحكم الأرض كلها وليس خلافة المسلمين فحسب ولكنه غلب على امره طوعًا ووعيًا فقال “والله لا أداهن في ديني” “ولو أردت المكر والمكيدة لما غلبني أحد”

القائد الفذ الذي خذله أصحابه وهو على الحق، فعاد إلى ربه وبرأ نفسه مما أصابوه به من الخذلان فقال يخاطبهم في حسرة بالغة ممزوجة بفخر صادق:”والله لقد أفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش إن عليا بن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراسًا مني، لقد نهضت لها وما بلغت العشرين، وها أنا قد نيفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع ،، إلا أنه لا رأي لمن لا يطاع”

الحاكم الذي إذا حكم بكتاب الله لم يجامل ولم يحاب ولم يتردد وإن فضل السلامة والصلح بين الناس فقال ” إن الله داوى هذه الأمة بدوائين السيف والسوط فلا هوادة عند الإمام فيهما، فأصلحوا أمركم بينكم ولا تأتوني”

 إمام البلاغة الذي يضع الكلمة في موضعها الذي لا يدانيه بشر بعد النبي في ذلك، إذا هدأ برع وإذا غضب أبدع، يوصف بعض جنده من المترددين المتقلبين ممن خذلوه “،،، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فإذا أنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال” فهل رأيت أقصر حلمًا من طفل و أغير عقلا من امرأة، فبلغ ما يريد في عبارتين.

إمام الحكمة الذي يعلمنا أن “فقد البصر أهون من فقد البصيرة” وهو والله محق، وهو الصابر الذي يعلمنا الصبر بالإقناع وليس قصرا على الترديد والاتباع، فيقول “لن يحصل الأجر حتى يتجرّع الصّبر” و ما سمعت أنا من نصيحة بشرية في فضل الصبر على المصائب من قوله مقتبسا من نور النبوة “إذا أصبت فلا تجمعن عليك المصيبة والجزع، فإنك إن صبرت أجرت والمصيبة فائتة وإن جزعت أزرت والمصيبة قائمة”  أو “إنك إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور” وعلي هو الذي علمنا بعد رسول الله أن الناس صنفان “إما أخ لنا في الدين أو نظير لنا في الإنسانية”

المناظر القاطع الذي عاد ابن عباس حبر الأمة وإمام المفسرين وناصر أمير المؤمنين (المفترى عليه) ومعه علماء الصحابة عن محاججة الخوارج حفاظ القرآن أصحاب “الحاكمية لله” فخرج إليهم وأفحمهم حجة ولم يقدروا عليه علمًا حتى قاتلوه. وكان أسمعهم درته التي لم يسبقه إليها مناظر “إنما هي كلمة حق تريدون بها باطل” “فالحكم لله ولكنه استخلف عليه في الأرض عباده الصالحين” وقرأ لهم الآيات البينات في ذلك كأن لم يسمعها المضلون من قبل ومن أحاديث نبيه التي لم يشهدوها. ولما قارن بعضهم ظلما بينه وبين من قبله لغير صالحه قال بكلام فصل لا يرد: “أولئك حكموا أمثالي وأنا أحكم أمثالكم”.

المسلم الذي آلى حقن دماء المسلمين عندما رفعت المصاحف وكان أسرع الفريقين إلى السلم بينما كان أقربهما إلى النصر، وهو الذي أقدم قبل ذلك إلى العفو و إكرام من اجتهد خطأ فقاتله من الصحابة المسلمين وسماهم “أخوة لنا بغوا علينا”  فأعادهم إلى ديارهم موقرين مخفورين.

المتدبر في خلق الله ليس كما يتدبر غيره فهو يرى فلسفيًا أن “لو كان لربّك شريك لأتتك رسله” وعقائديا أن “شرّ الإيمان ما دخله الشّك”

 وهو المجرب الذي لا يعجب ممن يجازيه بالخير سوءا لأنه يرى أن “مسرّة الكرام في بذل العطاء، ومسرّة اللّئام في سوء الجزاء”.

ويؤمن -وهو العالم-إن “من وَقَّرَ عالِماً فقد وَقَّرَ ربّه” وقد نظر إلى قرابته من النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام نظرة أخرى إذ عنده “إنّ عدوّ محمد صلّى الله عليه وسلّم من عصى الله وإن قربت قرابته”

وهو الذي ينبئنا أن في دولة الفاسدين التي نحن فيها اليوم ألم ومهانة فتنبأ بآلامنا قبل قرون وقال “دول الفجار مذلّة الأبرار” وهي ليست دولة “قيمة كل امرئ ما يحسن” عبارته المذهلة تلك والتي لخصت نظرية في الاجتماع والاقتصاد، ورغم هذا ارادنا أن “لا نستوحش طريق الحق لقلة سالكيه”

قال في آخر أيامه رضوان الله تعالى عليه ” ألا إن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وأن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، ألا وأن المضمار اليوم والسباق غد، ألا وأنه لا عدل اليوم ولا ظلم غد، ألا وأنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فهل من تائب من خطيئته قبل قدوم منيته”

وكان آخر دروس إمام الانسانية لنا وصيته في قاتله يوصي بنيه وحكومته، فيما أخرجه البيهقي في سننه “أطعموه، وأسقوه، وأحسنوا إساره، فإن عشت فأنا ولي دمي، أعفو إن شئت وإن شئت استقدت، وإن مت فقتلتموه فاضربوه ضربة بضربتي ولا تمثلوا به”

فكان سلام الله عليه أخوف ما يخاف علينا منه:”اتباع الهوى وطول الأمل”

Similar Posts