حسن النظر في تحقيق الأثر
بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني
رُوِيَ عن سيدنا الفاروق عمر رضي اللَّهُ عنه وأرضاه أنه قال:”تُنقَضُ عُرى الإسلام عروةً عروةً إذا نَشَأَ فيه من لا يعرف معنى الجاهلية”
وتعمَّدتُ أن أنقل الأَثَرَ بصيغة التمريض والتضعيف “رُوِيَ” لأن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قد ذكراه من غير سند أو عُزُوٍّ لأحد مصادر الآثار والحديث والسنن.
وقد روى بعضهم ومنهم ابن أبي شيبة في مصنفه وغيره عن سيدنا عمر قال” قد علمتُ وربِّ الكعبة متى تهلك العرب، فقام إليه رجلٌ من المسلمين فقال: متى يهلكون يا أمير المؤمنين؟ قال: حين يسوس أمرَهم من لم يعالج أمر الجاهلية ولم يصحب الرسول صلى الله عليه وسلم”.
وَثّقَّ ابن سعد وغيره سند هذا الأثر.
فمعنى الأثر الذي ذكره شيخ الإسلام وتلميذه صحيح وهو موافق لهذا الأثر الثاني الذي علَّق فيه هلاك الناس بأمرين:
الأول: إذا تولى أمر المسلمين من لم يعالج ويحارب صور الجاهلية العقدية والسلوكية، وهذا واقع تماماً في يومنا هذا، فإن الساسة والرؤساء اليوم لا ينكرون صور الجاهلية السلوكية كالمثلية والسفور والخمور التي تباع كما يُباع الماء وبموافقة رسمية أصولية.
كذلك صور الجاهلية العقدية كعبادة القبور والإلحاد والأفكار الهدامة للدين ودعاة التشكيك في الدين وأصوله من الحداثيين الذين استلهموا فكرهم من الدوائر الماسونية والصليبية، وبدأوا ببث سمومها في عقول شباب الأمة ونسائها وأطفالها لينشأؤوا نشأةً منحرفة عن الدين ومصادره واصوله وثوابته.
الثاني: قوله رضي اللَّهُ عنه:”ولم يصحب الرسول صلى الله عليه وسلم”.ويعني بذلك أنه لم يعش مرحلتيْ الجاهلية قبل البعثة والإسلام بعدها في عصر النبوة، فإن من عاش الجاهلية ودخل الإسلام فقد عرَف فضل اللَّهِ عليه ثم فضلَ رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي كان سبباً في إخراج اللَّهِ تعالى له من ظلمات الجاهلية وَوَحْلِها وأدرانها وقذرها ورجسها الى نور الإسلام وطُهره وعفته وشرفه وعليائه وسموه ورفعته.
ولذلك كان الصحابة أفقه الناس في رؤيتهم للإسلام واعتزازا وتعلقاً وتمسكا وتشبثاً به بسبب حالة المقارنة النفسية والعقلية والذوقية والوجدانية بينه وبين الجاهلية الدهماء التي عاشوها قبله.
أما والحال على ما نحن عليه اليوم، فإن ابنائنا قد فتحوا أعينهم على عائلة مسلمة تصلي وتصوم وتقرا القرآن، فنشؤوا نشأة تقليدية روتينية راتبة، فلم يتحسسوا فضل الله عليهم ولا فضل رسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم في هدايتهم لأنهم لا يعرفون معاني الجاهلية ولا أدواءها ولا كوارثها ولا طامّاتها ولا ظلماتها التي عاش فيها الصحابة عقوداً من حياتهم قبل أن يمنَّ اللَّهُ تعالى عليهم بسيدنا مُحَمَّدٍ فكان صلى اللَّهُ عليه وسلم كَـيـَدٍ من خلال الموجِ مُدّتْ لغريق.
:((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (164)آل عمران
وقال جل وعلا في سورة الحجرات :((يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (17)
وواللّهِ وتاللّهِ وباللّهِ
ما مَنَّ المنّانُ جلَّ في علاه على خلقهِ بِمِنَّةٍ اعظمَ ولا أكملَ ولا أفضلَ ولا أنفعَ ولا أجملَ من بعثة سيد الأنامِ مُحَمَّدٍ صلوات ربي وسلامه عليه ما دام الليل والنهار.
فيا شبابنا ويا بناتنا واخواتنا ويا ابنائنا إعرفوا لهذا النبيِّ الكريم مقامه وأطيعوه تهتدوا سبل الخير والسلامة والسعادة في الدارين، فهو مفتاحٌ لكل بابِ عزٍ وشرف وسؤدد وكرامة.
صلوا عليه وسلموا تسليما