مجزرة قريتَي الرشاد ونهر الإمام إرهاب بعلم السلطة

بقلم : إياد العنَّاز

باحث في مركز الأمة للدراسات والتطوير

تحافظ المجتمعات الأصيلة على وحدتها وديمومة علاقتها وتماسكها الاجتماعي وفق رؤية ميدانية أساسها المحبة والتصالح والتسامح وتقديم العون والمساعدة في بناء البلاد والارتقاء بحياة الإنسان نحو التقدم والازدهار والابتعاد عن كل الوسائل والأدوات الهدامة والقائمة على أساس المواجهة والكره والعناد واستهداف الأبرياء، وفي كلتا الحالتين تحضر القيم والأخلاق والتقاليد الاجتماعية التي تربى عليها أبناء البلد و تكون عونا ودافعا قويا يحرص على تمتين أواصر العلاقة المتينة والصداقة المجتمعية بين أفراد الشعب الواحد وتعزيز روح التعاون والتمسك الإنساني بينهم وبناء الركيزة الإنسانية التي تنمي الروح الداخلية وتثمر بها النتائج الإيجابية في بناء المجتمع وتعلو من شأنه وتحافظ على الروح البشرية كونها من أهم الأسس التي نادت بها جميع الشرائع السماوية واهتمت بها ورعتها دون المساس بها والتمسك بنقاء وجذوة الأعماق الإنسانية التي تحتفظ بالمشاعر الودية والطبائع البشرية النموذجية المساهمة في تعزيز البنية الاجتماعية ورسم ملامح ومستقبل أبناء الشعب الواحد. تمنح الشعوب النقية الحياة آفاقها الرحبة وسعتها الوجدانية وألقها الإنساني لتكون واحة خضراء للمشاعر الطيبة والعلاقات الإنسانية الراقية وتساهم في احتواء جميع أطياف المجتمع وتمنع أي تدخلات أو أدوات أو وسائل تحاول النيل من وحدة وتواصل الشعب لتكون يد واحدة في الدفاع عن وحدة البلاد وتراب الأرض التي ترويها بقطرات وندى عشقها وتمد يد العون للجميع في سبيل الحياة وديمومة البقاء والحفاظ على أمن وسلامة الأفراد وصولا إلى تحقيق الغاية الأساسية التي تسعى إليها جميع الأطراف الخيرة في تعزيز مفهوم السلم الأهلي والأمن المجتمعي وهما عنصران مهمّان في إشاعة روح التفاؤل والحياة السعيدة ورسم صورة التآلف والتآزر بين جميع مكونات المجتمع الإنساني الذي يصبو إليه جميع الأنقياء والأوفياء لشعوبهم وتربة بلادهم.وعلينا عزيزي القارئ الكريم أن نحدد المفهوم الصريح للأمن المجتمعي وأهميته في حياة الشعوب ومستقبل الأجيال عبر منظومة متكاملة من الأهداف والتوجهات والآمال المعقودة لبناء مجتمع متقدم زاهر، فالأمن المجتمعي يعني أن الفرد يعيش حياة اجتماعية آمنة مطمئنا على نفسه ورزقه ومكانه الذي يعيش فيه وهو محصلة لجميع الإجراءات الأزمة لحماية المجتمع ضد كل ما يحد من تقدمه لتحقيق أهدافه بما يتوفر لديه من إمكانات وقدرات متاحة ويحتوي جميع الإجراءات والخطط التي تتخذها الدولة لتأمين المجتمع من خلال استغلال كامل الطاقات المختلفة لتحقيق الحياة الكريمة لكافة مواطنيها.تعرف مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الأمن الإنساني كمفهوم مرادف للأمن المجتمعي والذي عرفته بأنه (حماية الحريات الحيوية وحماية الناس من الأوضاع والأخطار الطارئة الحرجة والعامة وبناء قواهم وطموحاتهم وخلق النظم السياسية والمجتمعية والبيئية والاقتصادية والعسكرية والثقافية التي تمكن الناس من العيش بكرامة).وأمام هذا التعريف الدقيق تكون الصورة واضحة حول منظومة أمنية متكاملة الأبعاد والاتجاهات تتحدد فيها المسارات الميدانية لتوفير حالة من الأمن والاستقرار والطمأنينة في المجتمع ليتمكن الأفراد من القيام بأعمالهم بشكل هادئ ومتكامل دون أي تأثيرات جانبية أو ميدانية تؤثر على سير حياتهم ومستقبل أبنائهم، فالظروف الحياتية تتطلب إجراءات أمنية دقيقة وحماية ذاتية للعنصر الإنساني ليساهم في بناء مجتمعه وليكون مطمئنا على كيفية إنجاز مهامه ويبتعد عن كل ما يستهدف حياته وديمومة استمراره في العمل وعن كل ما يؤذيه أو يسبب له خوفا وإرباكا في حياته المعاشية اليومية.أهمية الأمن المجتمعي تدركه الأوساط السياسية الفاعلة والقريبة من شعبها والحريصة على حياة أبناء وطنها، ولكن عندما نقرأ ما حدث يوم ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢١ في قريتي الرشاد ونهر الإمام التابعين لقضاء الميدانية بمحافظة ديالى والتي ذهب ضحيتها(٢٣) شهيدا وأصيب العشرات من الأبرياء بجروح بليغة ونزوح المئات من العوائل الآمنة ندرك خطورة ما حدث وأنه استهدف للبنية التحتية للأمن المجتمعي وأثر بشكل سلبي على السلم الأهلي في منطقة صغيرة لا تتعدى بعض المساحة من الكيلو مترات بل هي قريبة بعضها للبعض الآخر ولكن غياب الأدوات الأمنية والبرامج والخطط الاستخبارية وانعدام سيطرة القوات الميدانية على كيفية التعامل مع المجزرتين اللتين تسببتا في حدوث انهيار أمني بهيمنة المليشيات المسلحة والعناصر الإرهابية على الأرض وقيامها بالاعتداء على أرواح المواطنين واستهداف دورهم وحرق ممتلكاتهم ومزارعهم الأمر الذي أدى إلى نزوح المئات من العوائل الساكنة في القرى المحيطة بالمنطقة وحول قضاء المقدادية وهذا أحدث انعطافا خطيرا على حياة السكان وزاد من معاناتهم في ظل غياب الإجراءات المتخذة من السلطات الأمنية والعسكرية التي لم تسعف حياة الأهالي ولم تتمكن من الرد على أدوات وشخوص الاعتداءات الإجرامية الإرهابية.يؤشر الوضع القائم في قضاء المقدادية إلى عدم وجود منظومة أمنية متكاملة تعزز مفهوم الأمن المجتمعي وغياب أدواتها وإبعاد تأثيراتها بحيث أدى إلى حدوث أزمة اجتماعية وحالة من التوتر النفسي والخوف والفزع بين أهالي المنطقة الذين سارعوا إلى تر ك منازلهم والنزوح إلى مناطق أكثر آمنا وسلامة تاركين وراءهم كل ما يتعلق بهم من دور سكنية وحقول وبساتين و متاجر ووثائق وأوراق ثبوتية خاصة بهم، وبهذا نكون أمام قياس ميداني يثبت غياب الأمن المجتمعي لدى السلطات الحاكمة و تراجع معدلات ونسب تحقيق الأمن كلما زادت نسبة الجرائم الإرهابية التي تستهدف حياة المواطنين مؤشرة عدم وجود استقرار سياسي وتراجع في الإجراءات الميدانية وغياب الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والذي من المفترض أن تحققه للمواطن ضمن مفهوم الأمن الإنساني الموازي للأمن المجتمعي الذي يضمن كافة الإجراءات التي تؤدي إلى تهيئة ظروف الحياة المستقرة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية. أشرت هذه الأحداث طبيعة الحالة السائدة في المنظومة المجتمعية للبلاد وعدم قدرة السلطات الحكومية من التعامل مع العصابات والمليشيات المسلحة وافصحت عن حقيقة قيام شرائح واسعة من المجتمع بشراء السلاح وكثرة تواجده عبر العديد من المليشيات المدعومة من أطراف سياسية حزبية تتحكم بالواقع الميداني الأمني وتنفذ العديد من العمليات ضمن إطار أهدافها ومشروعها السياسي وهذا ما يشكل خطورة تهدد مضامين الأمن المجتمعي ويؤثر ضعف السلطات الحكومية وعدم قدرتها على مواجهة هذه التشكيلات والمليشيات التي تعتمد على السلاح وقوة التأثير السياسي في تنفيذ نشاطاتها ومهامها عبر العديد من التوجيهات والحركات الخاصة بها على الميدان العراقي.تبقى الأحداث القائمة هي انعكاس واضح لكيفية إرادة البلاد وفق إطار وقواعد أسست لها العملية السياسية التي أعدها الحاكم الأمريكي المدني بول بريمر وفق الأهداف الاستراتيجية للاحتلال الامريكي ورسمت صورة واضحة لحالة انعدام الأمن المجتمعي وغياب العدالة الاجتماعية واستمرار المحاصصة الطائفية والتوافقات السياسية التي أثرت على طبيعة الهوية الوطنية للمجتمع العراقي وأدت إلى ظهور العديد من المشاكل والأزمات الاجتماعية التي غذتها أدوات الاحتلال الأمريكي ودعمتها شبكات النفوذ الإيراني لإبقاء العراق بلدا ضعيفا لتتمكن القوى الدولية والإقليمية من تنفيذ أهدافها وماربها الخبيثة.

Similar Posts