العراق من الدول الأكثر تعرضا للسلبية بحسب تقرير غلوب 2022.
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تفعل الأحداث والوقائع فعلها وتترك أثرها الكبير على نفسية الشعوب فتزداد نسبة الألم والقلق والضغط المعنوي الذي صاحب العديد من ردود الأفعال لدى شعوب العالم وشعورها بعدم وجود آليات لكيفية معالجة الأزمات التي تعانيها ومطالبتها بتحسين أوضاعها وإيجاد مخرجات لما تعانيه من مكابدات والألام وخوف مستمر من المستقبل المجهول مع معرفتها بعدم إيجاد حلول جذرية واقعية للأنظمة السياسية التي تحكمها ولهذا بلغت حدة المواجهات بين المطالبات الشعبية وعدم الاهتمام المقابل لها من قبل الحكومات الحاكمة نسب عالية وأرقام كبيرة عبر عنها تقرير مؤشر السلام العالمي لعام 2022 عندما أشار إلى( أن حوادث الشغب والاضطرابات والاحتجاجات المعارضة للحكومات قد زادت بنسبة 44% وارتفعت لتصل إلى 150 ألف مظاهرة عالمية ) .
وعند قراءتنا للتقرير الشامل الذي أعده مركز غلوب العالمي الخاص بالمشاعر الإنسانية لعام 2022 يظهر لدينا العديد من النسب والتفاوت الذي طرأ على طبيعة وحياة الشعوب بسبب العديد من الظواهر الاجتماعية والأزمات الاقتصادية التي اجتاحت البشرية أو التي أصابت بعض البلدان بسبب عدم وجود آليات فعالة لإيقاف حالة التدهور في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية وتذليل الصعوبات التي يعاني منها أبناء هذه الشعوب، وقد أظهر التقرير مشاعر الغضب والضغط والحزن والقلق والآلام الجسدية التي يكابدها الناس يوميا وسجلت ارتفاعا عن باقي السنين الماضية عبر نسب التعاسة التي تشعر بها الشعوب وتباينت النسب حول هذه المفردات الإنسانية المؤلمة لتكون واقعا يعانيه المواطن في أي بلد من البلدان التي أصابتها عوامل القلق والحزن والتعاسة الاجتماعية ، فيشير التقرير إلى أن هناك 42% يعانون من القلق ومعهم 42% لديهم شعور بالضغوط المؤلمة اليومية مع وجود نسبة 31% من الألم الجسدي والمعنوي الذي يصاحب حياة الإنسان وهناك الحزن الذي يسيطر على طبيعة الفرد فبلغت نسبته 28% وكان للغضب والانفعال والشد العصبي مساحته التي بلغت 23% ، إن هذه النسب والأرقام أتت من خلال المقابلات والحوارات العديدة التي أجراها القائمون على هذا التقرير السنوي الشامل في معظم بلدان العالم لكي يتمكنوا من الوصول إلى العوامل التي تساعد في التغلب على هذه الأوجاع الإنسانية التي يشير إليها( جون كليفتون) الرئيس التنفيذي لمؤسسة غلوب بقوله( إن هذه النسب القياسية للمشاعر السلبية ربما لا تكون مستغربة بالنظر إلى ما يعانيه العالم من حروب تتمثل في المواجهة بين روسيا وأوكرانيا وآثار التضخم الاقتصادي العالمي وما ترتبت عليه آثار جائحة كورونا والتي تكفي واحدة منها لجعل العالم أسوأ).
وعندما نستمر أخي القارئ الكريم في القراءة الدقيقة لهذا التقرير الإنساني نصل إلى وقائع مؤلمة ومشاهد إنسانية محزنة تتعلق بواقعنا العربي والمحلي عندما نقرأ أن هناك عددا من الاقطار العربية ومنها العراق قد جاءت وفق ترتيب الدول العشر الأكثر تعرضا المشاعر السلبية فكانت دولة أفغانستان الأولى ويليها لبنان ثم العراق وسيراليون والأردن وتركيا وبنغلاديش والاكوادور وغينيا واخيرا بنين ، وجميعها اشتركت في ظواهر عديدة ساهمت في الحالة السلبية التي يعاني منها شعوب هذه الدول وهي( الفقر والجوع والوحدة وندرة الأعمال الجيدة).
وإذا ما نظرنا إلى الواقع المؤلم الذي يعيشه أبناء الشعب العراقي بعد الغزو الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان عام 2003 والتي اتسمت بضياع أموال البلاد وانهاك الاقتصاد الوطني وضعف الحالة المعاشية للمواطنين وارتفاع نسبة البطالة وتراجع معدلات التنمية الاجتماعية وتفاقم الديون الخارجية ووجود(10) مليون مواطن عاطل عن العمل حسب تصريح وزارة التخطيط ووصول نسبة الفقر إلى 25% في بلد يعتبر الخامس في إنتاج وتصدير الثروة النفطية وثالث دولة في احتياطي العالم من الطاقة حيث تبلغ (159) مليار برميل نفط مع ما يرد إلى العراق من واردات مالية شهريا تتراوح بين 9_11 مليار دولار لوزارة النفط وحسب تقاريرها الشهرية ، فلا عجب أن نرى العراق يأتي في الترتيب الثالث بين بلدان العالم الأكثر تعاسة وخوفا من المستقبل والأكثر اضطرابا ووجعا .
إن من أهم الأسباب الجوهرية التي تساهم في ارتفاع حالة التعاسة والخوف والقلق التي تؤثر على الحالات السلبية للمشاعر الإنسانية هي عدم وجود منظومات اقتصادية فعالة وخطط لبرامج تنموية تساهم في تعزيز الاقتصاد الوطني وبناء قواعد رصينة للإنتاج الصناعي والتجاري وتحسين القطاع العام والاهتمام بالقطاع الخاص ليكون رافدا مهما في الصناعات المحلية، وهناك الضغوط الاقتصادية التي تؤدي الى عدم الشعور بالأمان واستمرار حالة الخوف واليأس والقنوط من المستقبل بفقدان الأمان وعدم تقدير احتياجات الذات الإنسانية.
تعطي الدول المتقدمة والمجتمعات الراقية أهمية كبيرة ودورا رائدا وإسهاما اجتماعيا في تحسين القدرة الروحية للمواطن لكي يتمكن من تحقيق مرتكزات الحياة اليومية ويساهم في عجلة التقدم والازدهار ومراحل البناء والأعمار الذي يشجع على إنتاج بيئة صالحة ومجتمع متطور وشعب مثقف لديه القدرة على إعداد البرامج التنموية والمشاريع الاستراتيجية والخطط الاقتصادية وتحقيق مبادئ احترام إرادة الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية وتوسيع أطر التنمية البشرية، وبهذا نكون أمام شعب لديه القدرة على التحول ومواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وإيجاد الحلول الجذرية الواقعية لها بقدر إمكانياته في التغيير والإصلاح وفق مفهوم مجتمعي يساهم في تسخير جميع إمكانيات الدولة لإسعاد المواطن وتحقيق الرفاهية والاطمئنان له لكي يكون أكثر ثقة بالمستقبل وتكون لديه الإمكانية والقدرة الذاتية الشروع بتحقيق أحلامه وأهدافه وفق رؤية حضارية إنسانية تعزز من مكانته في المجتمع وتحترم إرادته ورؤيته واهتماماته لينشئ جيلا من العطاء والوفاء لبلده وتحسين أوضاعه وتعزيز مكانته وتأثيره بين بلدان العالم.
هذه الحقوق الإنسانية التي يفترض بجميع الحكومات القائمة أن تعمل على توجيه الوزارات والمؤسسات المرتبطة بها لإيجاد قنوات من الاتصال والتحاور مع المواطنين لكي يتمكنوا من التعبير الحقيقي عن آرائهم ومكنوناتهم ورؤيتهم لكيفية بناء بلادهم والارتقاء بشعوبهم نحو السمو الاجتماعي وهنا تتحقق الإرادة الإنسانية في دفع المجاميع الخيرية لتسود حركة المجتمع وتصل إلى مستويات من الإبداع في الفكر والثقافة والفنون والمعرفة والعمل المتواصل الجاد من أجل خلق نهضة صناعية وتنمية اقتصادية تساهم في بناء البلاد وإسعاد الإنسان وتحقيق الرفاهية والابتعاد عن مفاهيم الحزن والألم والتعاسة اليومية التي يشعر بها الفرد في حالة عدم تمكن الدولة ومؤسساتها من العمل باتجاه إسعاف طلبات أبناء الشعب وتحقيق آفاق سعادتهم وتحسين أوضاعهم لكي تكون لديه القدرة على البناء والإبداع وإثبات الذات وتسخير إمكانيات الدولة وما تملكه من ثروات وعوائد مالية كبيرة لإيجاد قواعد ومرتكزات من العمل المنتج الهادف وتحسين البنية التحتية للبلاد لكي تكون اللبنة الأساسية في نجاح خطط التنمية وإيجاد عوامل دقيقة تساهم في دفع عجلة الإنتاج وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتبعد المواطنين عن كل أشكال الألم الاجتماعي والحزن الميداني الذي يرافق حياتهم بعدم الاهتمام بتحسين أوضاعهم أو النظر نحو إيجاد تحولات اقتصادية فعالة تساعد على عبور الأزمات وتحقيق النتائج الإيجابية لتعزيز مفهوم السعادة للمواطن وإبعاد كل المؤثرات التي تدفع به للتعاسة والخوف والغضب وهي عوامل تتحقق بسبب عدم وجود اليات فعالة وأدوات إيجابية للدفع باتجاه تغيير هذه المفاهيم والآلام الاجتماعية وصولا إلى مجتمعات راقية وشعوب سعيدة .
ومعلوم أن حدة المشاعر السلبية التي يعاني منها الناس على المستوى العالمي تساهم في زيادة حدة التوتر والخوف من المستقبل عندما تعاني المجتمعات الدولية من حروب متواصلة ومشاكل اقتصادية مستديمة وأزمات اجتماعية تنعكس ميدانيا على الصراعات الإنسانية وتكون لديها التأثيرات الفعالة على طبيعة واستمرار الحياة في المعمورة والتي يشترك فيها المجتمع عندما تشكل هذه الأزمات انعطافا مهما في ديمومة الحياة واستمرارها والتأثير على مستقبل الأفراد ونظرتهم السلبية لما يدور حولهم من أزمات عالمية وإقليمية ومحلية ، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المجتمعات البشرية اشتركت خلال السنتين الأخيرتين بالآثار التي ت بت عليها جائحة كورونا وما خلفته على المستوى النفسي والاجتماعي والاقتصادي وطبيعة التعامل الذي حدث في مواجهة الأزمات التي أحدثتها الجائحة وهذا ما يشكل انخفاضا واضحا في مستوى التعامل مع المنظومة الاقتصادية العالمية وانخفاض الاقتصاد العالمي وظهور العديد من الأزمات والمشاكل الاجتماعية التي لحقت بالعديد من بلدان العالم وخاصة في الدول الفقيرة أو ذات العائدات المالية الضعيفة مع وجود حالة من التأثير الميداني الواضح في أقطار ودول عالمية تتمتع بقوة من الاقتصاد والتأثير المالي المحلي .