عشرون عامًا والعراق في حالة طوارئ

بقلم : د. أيمن العاني

قبل عشرين عامًا، وتحديدًا في 22 آيار/مايو 2003، أعلن رئيس دولة الاحتلال فرض الولايات المتحدة حالة طوارئ وطنية متعلقة بالعراق وفقًا لقانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية للتعامل مع التهديد غير العادي والاستثنائي للأمن القومي والسياسة الخارجية للعراق وللولايات المتحدة، وفي هذه الحالة بالذات، فإن إعلان حالة طوارئ أمريكية فيما يتعلق باستقرار العراق يعني أن حكومة واشنطن تدرك وجود تهديدات أو تحديات وعقبات مستمرة تحول دون إعادة الإعمار المنظم للعراق، واستعادة وحفظ السلام والأمن في البلاد، وتطوير المؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية في العراق؛ الأمر الذي يتطلب إجراء تدابير الطوارئ، ولكن إدارة بوش الابن تجاهلت متعمدة حقيقة أن المستجد الأبرز الحاصل في العراق بعد ذلك التأريخ الذي استدعى إعلان حالة الطوارئ هو وقوع الحرب العدوانية وغير المبررة التي شنها التحالف الدولي الذي قادته تلك الإدارة لغزو واحتلال العراق.

ومنذ ذلك الحين وعلى مدى عشرين عجاف هلك فيها الحرث والنسل؛ لا تزال العقبات التي تعترض إعادة إعمار العراق بشكل منظم، واستعادة السلام والأمن في البلاد والحفاظ عليهما، وتطوير المؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية في العراق، قائمة وتشكل تهديداً مباشرًا لحاضر البلاد ومستقبلها ولحاضر ومستقبل المنطقة كلها. ولهذا السبب، استمرت الحكومات المتعاقبة لدولة الاحتلال في إعلان تجديد حالة الطوارئ الوطنية فيما يتعلق باستقرار العراق.

وفي 16 آيار/مايو الماضي؛ وقع الرئيس جو بايدن إشعارًا مدّد من خلاله حالة الطوارئ الأمريكية المتعلقة بالأوضاع في العراق، وجاء فيه: (لا تزال هناك عقبات تعترض إعادة الإعمار المنظم في العراق، واستعادة الأمن والسلام والحفاظ عليهما، مع عقبات أخرى تعيق تطوير المؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية في البلاد). ووفقًا للقسم 202 (د) من قانون حالات الطوارئ الوطنية جرى تحرير إشعار باستمرار حالة الطوارئ الوطنية فيما يتعلق باستقرار العراق والأمر التنفيذي 13668 المؤرخ 27 مايو 2014، يجب أن يستمر ساري المفعول بعد 22 مايو 2023. كما نص الإشعار على أن هذه العقبات لا تزال تشكل تهديدا وصفه بـ “غير العادي” للأمن القومي والسياسة الخارجية للعراق وللولايات المتحدة، وبناء على ذلك (قررت (إدارة بايدن) أنه من الضروري استمرار حالة الطوارئ الوطنية المعلنة بموجب الأمر التنفيذي رقم 13303 فيما يخص استقرار العراق).

وتنذر عبارة “استمرار حالة الطوارئ الوطنية فيما يتعلق باستقرار العراق” الواردة في الإعلان الصادر عن حكومة واشنطن بأن أسباب حالة الطوارئ المتعلقة المستمرة بالعراق لا تزال موجودة ولم تتم معالجتها حتى تأريخه. ويخول هذا الإعلان الرئيس ممارسة صلاحيات معينة واتخاذ إجراءات محددة استجابة للوضع في العراق. ومن خلال تمديد حالة الطوارئ الأمريكية، يمكن لحكومة واشنطن الحفاظ على الموارد والأموال والسياسات وتوزيعها لمعالجة جهود الاستقرار الجارية في العراق. كما يسمح إعلان حالة الطوارئ بمواصلة الإجراءات التي تهدف إلى استعادة السلام والاستقرار والأمن في العراق، ويحتمل أن يدعم الإجراءات الدبلوماسية أو العسكرية أو الإنسانية التي تعتبر ضرورية لجهود تحقيق الاستقرار. وتجدر الإشارة إلى أن التفاصيل والمبررات المحددة لاستمرار حالة الطوارئ الأمريكية فيما يتعلق بإحلال الاستقرار في العراق تُحدد في الإعلان الرسمي الصادر عن رئيس الولايات المتحدة أو الجهة الحكومية ذات الصلة.

وجاء إعلان تمديد حالة الطوارئ بعد تصريح السفيرة الأميركية في بغداد ألينا رومانوسكي، بأن العراقيين لا يريدون دولة تسيطر عليها الميليشيات وأن الولايات المتحدة لن ترحل عن المنطقة، وشددت على أنه مهما تكن طبيعة علاقة رئيس الوزراء مع هذه الميليشيات، فإن الهدف يجب أن يبقى منصبا على ضمان تمتع العراق بالاستقرار والأمن، وهو هدف منوط تحقيقه برئيس الوزراء. وبينت أنه من دون تحقيق الاستقرار فلا الولايات المتحدة ولا المجتمع الدولي يمكنه جلب الأعمال والانخراط على نطاق أوسع إذا لم يكن هناك استقرار وأمن في العراق.

لكن (إدارة بايدن) والسفيرة الأمريكية تجاهلتا أنه وعلى مدى السنوات الماضية التي أعقبت الغزو الأميركي في عام 2003، شهد العراق ظهور عشرات المليشيات الإرهابية الموالية لإيران، التي استفحلت في عهد جون نيغرو بونتي صاحب المهمات الاستخباراتية القذرة تخطيطا وتنفيذا، الذي تولى منصب سفير الولايات المتحدة لدى العراق في حزيران/يونيو 2004، حتى هيمنت بشكل كامل على المشهد الأمني والسياسي والاقتصادي، وشكّلت السبب الرئيس في العبث بأمن واستقرار العراق، وساهمت مساهمة مباشرة في تأجيج الطائفية والقتل على الهوية في عموم البلاد.

إن المليشيات الإرهابية الموالية لإيران ولاسيما (كتائب حزب الله) و(ميليشيا بدر) و(النجباء) و(العصائب) و(جند الإمام) وغيرها العشرات، باتت تتحكم بالعراق الجديد بصفة قانونية ومحمية بقرار برلماني، بمباركة أمريكية واضحة وتواطؤ دولي متواصل وصمت عربي غير مبرر، ولا يختلف اثنان على أن وجود هذه الميليشيات يشكل نقيضًا صارخًا لمفهوم الدولة ولا تنضبط بقانون ولا تعترف بعهد ولا ميثاق، ولا شك أن المتضرر الأول من وجودها والذي يدفع ثمن سطوتها هو الشعب العراقي من دماء أبنائه وحاضرهم ومستقبلهم؛ ولا يمكن إنهاء حالة الطوارئ ومعالجة تداعياتها في العراق إلا بزوال هذا الشر المستطير الذي جاء به الاحتلال الأمريكي ومكنته من البقاء والاستمرار “الجارة” إيران.

Similar Posts