الازدواجية الأمريكية بين معلن الديمقراطية وواقع تمكين الميليشيات

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تساهم دول المؤسسات في ادامة حرية الانسان وتمتين ارتباطه الوثيق بأرضه ومجتمعه والحفاظ عليها وتعزيزها بالعديد من الأدوات والوسائل التي تحاكي الحياة الحرة الكريمة للمواطنين وبناء المجتمع المتكامل المنشود في جميع ميادين الحياة العامة للشعوب الحرة وفق منهج ودراسة ميدانية وثوابت وطنية وبرامج تنموية توازي الطموحات الشعبية والجماهيرية وتساهم في تحقيق الأهداف السامية للمجتمعات المتقدمة التي تحفظ كرامة الانسان وتساعد على بناء البيئة الاجتماعية الإيجابية وتكوين الركائز والأسس الثابتة المساهمة في تثبيت هذه البيئة وتعزيزها بالعمل الجاد والبناء والاعمار والتطوير الحضاري والانساني لتكون نموذج لباقي شعوب العالم .

لا يمكن تحقيق هذه المنطلقات الحيوية والأهداف الإنسانية والطموحات الاجتماعية إلا بسيادة الوطن واحترام لإرادة الإنسان وبناء أسس لمفاهيم سياسية ثابتة تتعلق بالاستقلال السياسي ووحدة الرؤى في معالجة جميع الأزمات والمشاكل التي يعاني منها المجتمع وبإرادة حقيقية نابعة من انتماء ميداني للشعب ومحاكاة لمتطلباته وأهدافه وطموحاته وفق رؤية أساسها العلاقة الوثيقة بين القيادة الوطنية الحاكمة وأبناء الشعب لكي تكون قوة أساسية تساهم في إعداد أجيال واعية مدركة للمخاطر والأحداث التي تمر بها في المستقبل وكيفية مواجهتها والإعداد لها، ومراعاة تطور وبناء المجتمع الذي يرافق حالة التقدم والازدهار التي تعيشها البلدان والأمم الأخرى ولتكون أداة مساهمة في البناء الحضاري الإنساني ولها الدور الفعال المؤثر في طبيعة الأحداث الجارية في العالم وتعيشها الشعوب الحرة المتقدمة .

بناء الإنسان قيمة حضارية عليا تسعى إليها المجتمعات الراقية ولا يتحقق هذا الهدف السامي إلا بإرادة داخلية بعيدة عن جميع أشكال التبعية السياسية التي تسمح للأخرين بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد وتهتم بالوحدة الوطنية وتدعيم الاستقلال السياسي وبناء الإرادة الشعبية التي تدافع عن هذه المفاهيم الحية ولا تسمح بأي تدخل في شؤونها الداخلية وكيفية إدارتها للبلاد وتحقيق مبدأ القرار السياسي الوطني وتعميق مفهوم الارادة الجماهيرية وفق المنطلقات الميدانية للسياسة الوطنية المتبعة في البلدان والأقطار المتحررة.

وأمام هذه المنطلقات الحيوية والأهداف الإنسانية السامية والرؤى الميدانية الفاعلة التي تحقق مجتمع حضاري تسوده قيم العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان وتطبيق القوانين والأنظمة النافذة ضمن إطار الدولة المدنية التي تساهم في تعزيز روح التعاون والانسجام بين جميع مكونات المجتمع وتمتين عرى المحبة التي تجمع شرائح المجتمع بكل انتماءاتها القومية والدينية والمذهبية وصولا إلى حالة من الاستقرار السياسي والأمني الذي يؤدي إلى توافق اجتماعي وتقدم حضاري وانتهاء اقتصادي يؤمن الإطار البيئي الذي يعيش فيه أبناء الوطن بعيدا عن كل الأزمات والاخفاقات في مناحي الحياة كافة والعمل على إدامة حالة الأمن والطمأنينة في ربوع البلاد ومنع أي تدخلات خارجية دولية وإقليمية والحفاظ على سيادة البلاد وكرامة الشعب، وإذا ما نظرنا أخي القارئ الكريم لحال العراق بعد الاحتلال الأمريكي للبلاد لنرى أن العديد من هذه المفاهيم الإنسانية والقيم الاجتماعية والمبادئ القانونية والأنظمة المرعية قد تلاشى معظمها بسبب سوء الإدارة وعدم وجود مرتكزات واضحة وادوات فاعلة وبرامج تنموية شاملة تؤمن الحياة السعيدة للمواطن وتحافظ على سلامته وتأمين مستقبله واجياله وعدم وجود آليات حقيقية لمكافحة الفساد السياسي والاقتصادي الذي أصبح أحد سمات العملية السياسية وساهم في إضعاف البنية التحتية للاقتصاد الوطني وانتشار العديد من المظاهر السلبية في المجتمع العراقي وأدى إلى تهميش الجانب الأمني الذي يعتبر الدعامة الأساسية في حماية المواطن وتعزيز الاستقلال الاقتصادي ودعم الاستثمار المالي في البلاد.

ومن السخرية الميدانية أن تطالعنا وزارة الخارجية الأمريكية في بيان لها صدر في الرابع والعشرين من شهر تشرين الثاني 2022 تضع العراق بين أسوأ الدول التي لا ينصح بزيارتها عام 2022 وهذه هي دولة الاحتلال التي مارست جميع الوسائل المناهضة لحرية الشعب العراقي واستخدمت جميع أساليب القمع والاضطهاد في مواجهة الرفض الشعبي للوجود الأمريكي على أرض العراق وهي من تسببت في الوضع المأساوي الذي يعيشه أبناء الشعب العراقي والمأزق الأمني الذي يعصف بالمجتمع العراقي.

إحدى نتائج الاحتلال الامريكي للعراق في التاسع من نيسان 2003 فقدان الإرادة السياسية للبلاد وغياب الاستقلال الوطني وهيمنة القوات الأمريكية على مقدرات البلاد والسيطرة على ثرواته والتحكم بمستقبل أبنائه وجعل أبواب العراق مفتوحة ومشرعة لجميع الجهات وهذا ما ساعد النظام الإيراني لانتهاز الفرصة المناسبة والتي سعى إليها عبر سنوات طويلة لتحقيق غايته في تنفيذ مشروعه السياسي والتوسعي بالسيطرة والهيمنة على أرض العراق وبدأت أدواته ووكلائه بالعمل على توسيع رقعة تواجدها وتغلغله داخل المجتمع العراقي والتأثير على طبيعة التماسك الاجتماعي بزرع الطائفية بين أبنائه ودعم واسناد الاحزاب السياسية التي ترتبط بعلاقات وطيدة مع هذا النظام وشاركت في العملية السياسية التي أتى بها المحتل الأمريكي ورأى النظام الايراني ضالته المنشودة فسعى الى تعزيز عمليات الخرق الأمني والتواجد في جميع مؤسسات الدولة والتأثير على القرار السياسي والتحكم في ادارة شؤون البلاد ووصل الحد به إلى المساهمة في اختيار تشكيلة الحكومات التي تعاقبت بعد الاحتلال على حكم العراق وهذه كانت البداية لضياع وغياب مفهوم الاستقلال الوطني العراقي والعبث بمقدرات البلاد وفق المنهج الإيراني المرسوم من قبل الأجهزة الأمنية والاستخبارية التابعة لقيادة فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني والعمل على تحديد الطرق والاتجاهات في رسم خارطة ميدانية للعراق يتم خلالها تنفيذ التوجهات والأهداف الإيرانية بما يعزز حالة النفوذ التي اتخذت من العراق مجالا رحبا لبناء قواعد الدولة العميقة التي ساندتها الأحزاب الموالية للنظام الإيراني ولتكون منطلقا وطريقا رئيسيا نحو عواصم وأقطار الوطن العربي وتعزيز الأهداف الاستراتيجية لإيران.

جاء المحتل الأطلسي لبلدنا ليؤكد حقيقة السياسة الاستعمارية والمخططات الامبريالية التي تسعى جاهدة لوأد أي مشروع نهضوي حضاري لأمتنا العربية ورأت في العراق البلد الواجهة الحقيقية لطموح وتقدم الأمة وعلامات تطلعها ونموها وتقدمها عبر العديد من البرامج والمشاريع النهضوية والتنموية والإرادة الشعبية الصلبة في حب الأمة والسعي لرقيها واستعادة مكانتها بين شعوب العالم واستمرار تأثيرها في المحيطين الإقليمي والدولي واستذكار حضارتها ومكانتها الإنسانية التي أشاعت على العالم بالعلم والمعرفة والنور البهي.

كان العدوان الأمريكي-البريطاني حلقة رئيسية في استهداف العراق وشعبه ليكون ركيزة أساسية في السياسة والاستراتيجية الأمريكية باحتلال الأقطار العربية وتسيد منطقة الشرق الأوسط والعمل على تهميش دور العراق وإضعاف قوته وتحطيم نهضته واستعباد شعبه ودعم وإسناد نظام سياسي ضعيف الإرادة تتحكم فيه القوى الإقليمية والدولية فاقد للاستقلال الوطني السياسي والاقتصادي ولا يمتلك أدوات حقيقية في عملية التغيير والإصلاح الاجتماعي وهذه كانت إحدى الملامح الرئيسية والفعالة في سلسلة الاعتداءات التي طالت العراق وأبناء شعبه المكافحين .

وأمعن الاحتلال في توسيع دائرة الانفلات الأمني وفقدان الإرادة السياسية في معالجة الإخفاقات والأزمات التي أحاطت بالمجتمع العراقي فتوسعت دائرة نفوذ المليشيات والفصائل المسلحة داخل البلاد وادت إلى وقوع العديد من الحوادث الأمنية والتي لم تتمكن المؤسسات الأمنية والعسكرية من معالجتها والتصدي إليها بسبب وجود رؤية أمنية لكيفية الحد أو السيطرة عليها لارتباطاتها ومرجعياتها السياسية والعسكرية والدينية المؤثرة إضافة الى عديدها من الأفراد ونوعية وكمية الأسلحة التي بحوزتها بحيث بدأت تفوق نوعية وكمية الأسلحة والأعتدة والمعدات التي بحوزة القوات الأمنية والعسكرية العراقية بل بدأت تتدخل في جميع المفاصل الأمنية والاستخبارية وتكون لديها الحظوة في العديد من الاجهزة التنفيذية وبالتالي قدرتها في التأثير على الأرض وفي الميدان سيكون أكثر فعالية وحضورا وتأثيرا على القرار الأمني في العراق .

إن العديد من العمليات والحوادث الأمنية التي شهدتها المدن العراقية والإخفاقات الأمنية وانعدام الأمن وحالات الاختطاف والقتل العشوائي كانت ورائه هذه المليشيات بأفرادها وقادتها ومسؤوليها ولم تستطيع أي حكومة عراقية تلت الغزو الأمريكي للعراق بكل أدواتها وإمكانياتها في الحد من خطورة هذه المليشيات أو ايقافها عن نشاطاتها بل على العكس فقد تمادت واتسعت وانتشرت وأصبحت ظاهرة سياسية وأمنية تقوض الوضع الأمني في العراق ولا تلتزم بجميع التعليمات والتوجيهات الصادرة من رئاسة الأركان العراقية ووزارة الداخلية وتشكيلاتها التابعة لها .

ألم يكن الاحتلال الأمريكي وراء هذه الظواهر السلبية والمظاهر المليشياوية عندما غض النظر عن النفوذ والتمدد الإيراني في العراق وعندما سمح بتشكيل هذه الفصائل والمليشيات التي كانت إحدى الأدوات والوسائل الرئيسية المستخدمة من قبل الأجهزة الأمنية الاستخبارية التابعة للحرس الثوري الإيراني والتي ساهمت في تقويض الوضع الأمني الداخلي، ليأتي بيان وزارة الخارجية ويعتبر العراق من أسوأ الدول أمنيا وكأن الولايات المتحدة الأمريكية بعيدة كل البعد عما جرى ويجري في الميدان العراقي،

أتى الاحتلال ليجعل العراق بلدا ضعيفا تتحكم فيه إرادتان سياسيتان هما الإرادة الدولية ممثلة بدولة الاحتلال الولايات المتحدة الأمريكية والإرادة الإقليمية التي يمثلها النظام الإيراني وأدواته وميليشياته المسلحة وأهدافه في التمدد والنفوذ وتحقيق أحلامه في تنفيذ مشروعه السياسي داخل العراق وبهذا الواقع الميداني المؤلم افتقد العراق إلى أطر سياسية واضحة وأدوات لمعالجة الأزمات التي أحاطت بالمجتمع العراقي وعدم وجود مديات وأفاق للتعامل الواضح مع كل ما يعانيه أبناء الشعب العراقي وأصبحت ظواهر الفساد السياسي والاقتصادي هي السمة الأساسية التي يتصف بها المشهد السياسي العراقي وأصبحت سياسية نهب الأموال وسرقة المال العام وإقامة المشاريع الوهمية وضياع ثروات البلد وانتشار شبكات تهريب الأموال وتجارة المخدرات من الظواهر الهجينة على سلوك وأخلاقية المجتمع العراقي بسبب هيمنة وسيطرة الأحزاب والكتل السياسية التي أتى بها المحتل الأمريكي وقدم لها كل الدعم والاسناد هي من تتحكم بإرادة العراقيين وتساهم في نهب ثرواته وضياع أمواله ومستقبل أجياله تنفيذًا لمآربها وأهدافها الفئوية ومنافعها المالية وسيطرتها وتسيدها على الحكم في بغداد ومشاركتها في تنفيذ المخططات التي تستهدف وحدة وسلامة الأراضي العراقية والأمن الوطني والقومي لشعبه لصالح القوى الإقليمية والدولية التي ترتبط بها .

Similar Posts