عاد البابا … وظل العراق يبابا
بقلم: أ.محمد الجميلي
انتهت جولة البابا في العراق، ولم تنته أعراس السلطة المخادعة، وغادر البابا إلى روما، ولا شيء تغير في العراق إلا صلواته ومباركاته، التي كانت أحزاب الخراب في أمَسّ الحاجة إليها، وهي تتهاوى في الحضيض، فشلًا وفسادًا، وجرائم بحق الإنسانية.إنني في هذه السطور، لست بصدد الحديث عن الديانة الإبراهيمية الجديدة التي يبشر بها البابا، والتي رُوّج لها منذ سنوات، فقد سبق ذكر ذلك، ولكنني هنا أتحدث في ظلال السياسة.استمعنا للبابا يتحدث أمام أحزاب السلطة في بغداد قائلًا: (بصفتكم مسؤولين سياسيين .. من الضروري التصدي لآفة الفساد وسوء استخدام السلطة وكل ما هو غير شرعي)، وسمعناه يطالبهم (بتحقيق العدالة وتنمية النزاهة والشفافية، وتقوية المؤسسات المسؤولة عن ذلك)، ولكن البابا ومن أرسله يعلمون أن الفاسدين الذين جاء بهم الاحتلال، لا يمكن أن يحاربوا الفساد، فبه حياتهم وبقاؤهم، وأن العدالة والنزاهة والشفافية الغائبة منذ عام 2003 وحتى آخر قداس للبابا، لا يمكن أن تتحقق في ظل نظامٍ طائفيٍ يقتل شعبه بينما تحضر رموزه صلوات البابا.ولا أدري لمن وجه البابا كلامه: (لتصمت الأسلحة، ولنضع حدًا لانتشارها هنا، ولتتوقف المصالح الخاصة، والمصالح الخارجية، التي لا تهتم بالسكان المحليين)؟! هل وجّهه للحكومة العاجزة عن وقف إطلاق الصواريخ الإيرانية على مقراتها حيث يقف البابا، أم للمليشيات التي شكلت هذه الحكومة، وتعمل من أجل مصالح إيران ضد مصالح العراق بكل وضوح، أم لفرق الموت التي يرعاها الاحتلال وترعاها إيران، أم للقائد المليشياوي ريان الكلداني المدرج على قوائم الإرهاب، والذي باركه البابا نفسه، وأهداه مسبحة صلاة لتزيد من حسناته، أم لهادي العامري قائد مليشيا بدر، الذي يعرف جيدا معنى تقديم المصالح الخارجية على مصالح السكان المحليين، فهو المقاتل مع الحرس الثوري الإيراني ضد العراقيين أثناء الحرب بين العراق وإيران؟! حين تحدث البابا عن (الاختلاف الثقافي والديني والعرقي الذي ميز المجتمع العراقي مدة آلاف السنين)، لم يبين لنا كيف خطط الاحتلال وأعوانه بحربه التي سماها صليبية، لتدمير هذا التنوع الرائع المتعايش منذ آلاف السنين، وكيف أكملت المليشيات، هذه المهمة القذرة، فقتلت الشعب على الهوية، وهجرت الملايين بسبب دينهم وعرقهم وهويتهم، وقال المالكي الذي عينه الاحتلال رئيسًا للحكومة لدورتين: المعركة بين أنصار الحسين وأنصار يزيد، كما قال ريان الكلداني الذي ذبح الأبرياء في الموصل: إن الحرب هي بين جون ويزيد!!لقد تفاجأت أحزاب الخراب ومليشياتها ومن وراءهم من قوى الشر، بأن الشعب عصي على مخططاتهم، كما ظهر ذلك لهم جليا في ثورة تشرين وكما ذكر ذلك الأب رائد في كلمته أمام البابا في الموصل، وكيف كانت اللحمة بين المسلمين والمسيحيين فيها في أبهى صورها، ويقينا إن المشكلة ليست في الشعب المتعايش، وإنما في الأحزاب ومليشياتها، التي من أجنداتها، تقسيم الشعب إلى فئات متناحرة، تضمن لهم البقاء في السلطة، وهم يفشلون في كل مرة.ربما ظن البابا أن قادة أحزاب السلطة ومليشياتها، ستعرق جباههم خجلًا وحياءًا، وهو يحدثهم عن منجزاتهم في (البطالة والفقر)، وعن (إعادة البناء)، وأنه يجب أن يتم بشكل جيد، وعن ضرورة (تأمين الحقوق الأساسية لجميع المواطنين)، وأن (لا يُعتبر أحدٌ مواطنًا من الدرجة الثانية)، وأنه (لا يجوز استخدام اسم الله، لتبرير أعمال القتل والتشريد والإرهاب والبطش)، وهذا ظن في غير محله، فالذين يخاطبهم البابا، قد فعلوا تلك الموبقات كلها، وما زالوا يفعلونها باسم الله وباسم منهج الحسين، كما يعلن ذلك المالكي وغيره من قادة المليشيات.لقد كان واضحًا في صلوات البابا وكلماته، تأكيده مرارًا على معاناة اليزيديين والمسيحيين على يد تنظيم داعش -ولذا كان قداسه في الموصل وسط الخراب الذي عُلّق في رقبة داعش وحدها- والحق أن ما تعرض له اليزيديون على يد داعش ليس بالقليل ولا بالهيّن، ويجب أن يدان، كما يجب أن تدان جرائم المليشيات اليزيدية، ومن وراءها بحق السنة هناك، ولاشك أن البابا يعلم بأن معاناة المسيحيين بدأت قبل ظهور داعش بكثير، فقد بدأت مع بداية الاحتلال مثل غيرهم من العراقيين، وتصاعدت في ظل الحكومات الطائفية ومليشياتها، التي اغتصبت دورهم وممتلكاتهم، واضطرتهم للهجرة خارج العراق، والحق أيضا أن طائرات التحالف، وصواريخ المليشيات، ومدفعية القوات الحكومية، تتحمل المسؤولية الأكبر عن هذا الخراب الكبير، والدمار الشامل في الموصل، بل إن في رقابهم دماء أكثر من ثلاثين ألف مدني من أهل الموصل لوحدها، الذين احتجزهم داعش رهائن في المدينة، وطلب منهم رئيس الحكومة، والقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي، البقاء في منازلهم، فدفنوهم تحت أنقاضها، بقصف وحشي لم يراع حرمة ولا ذمة ولا إنسانية، ومن استطاع الهرب منهم إلى ما سمي بالممرات الآمنة، كان مصيره القتل والدفن في مقابر جماعية بدأت تتكشف خصوصًا جنوب الموصل، وهو الأمر نفسه الذي حصل للمدنيين في المحافظات الأخرى، فما لم يقف المسؤولون جميعهم عن هذه الجرائم تحت سيف القضاء، فما نفع الحديث عن العدالة والحقوق.لقد كان واضحًا في كل كلمات البابا، إبراز معاناة اليزيديين والمسيحيين، والإغفال العمد للكارثة التي تعرض ويتعرض لها السنة على يد المليشيات الطائفية، والقوات الحكومية -ناهيك عن معاناتهم في ظل سيطرة داعش على مدنهم- مع أن أكثر من أربعة ملايين سني هُجّروا داخل العراق، عدا من هاجروا لدولٍ أخرى، والسجون تغص بالآلاف منهم ظلمًا وعدوانًا، وأما الإقصاء والتهميش فحدث ولا حرج، ولكنّ ذلك كله لم يستوجب ذكرهم على لسان البابا بكلمة واحدة، بل الأدهى والأمر، أن الذين ارتكبوا جرائم التطهير العرقي والديني بحقهم، يجلس بعضهم بكامل أناقته في حضرة البابا وحظي بعضهم بمباركته.الخلاصة إن الحديث عن أن زيارة البابا قد ضمدت جراح العراق لا نصيب له من الواقع، بل الصحيح إنها قد ضمدت جراح المسؤولين، وأحزاب الخراب، وجمّلت وجوههم القبيحة، وسعت لتطهير أيديهم، التي للآن تقطر من دماء الثائرين المطالبين بحياة كريمة، ووطن مستقل.