مقال خاص | رسالة إلى سياسي

بقلم : علي صالح طمبل

في زمن صارت السياسة فيه متحكمة في مصائر الأمم والشعوب، وتشغل حيزاً واسعاً من اهتمامات الناس، أبعث بهذه الرسالة إلى كل سياسي، علها تجد آذاناً صاغية وقلوباً واعية.فضلاً، أجبني أيها السياسي البارع اللماح: ما هي الغاية من دخولك مضمار السياسة؟ هل هو تحقيق المكاسب الشخصية والحزبية؟ أم إصلاح بلادك وتنميتها في شتى المجالات؛ لتصبح في مصاف الدول المتقدمة التي يُحسب لها ألف حساب.إن كان الغرض من دخولك السياسة هو تحقيق المكاسب الشخصية والحزبية؛ فستنشغل بالصراعات الحزبية، وتصفية الحسابات مع خصومك السياسيين والمختلفين معك فكرياً، لتهمل ما ينفع الوطن والمواطن، من تطوير البنى التحتية، وإنشاء المشروعات التنموية، وترقية خدمات الصحة والتعليم والأمن والدفاع؛ ليروح المواطن ضحية تلك الصراعات، فيزداد فقراً على فقره، ويرزح تحت وطأة الجوع والمرض!ولن تتورع عن بيع بلادك مقابل حفنة من الأموال، وجعلها مجرد تابع ذليل للدول القوية التي تستبيح أراضيها وتنهب ثرواتها، وستوالي أعداء دينك ووطنك، وتكون أداة من أدوات الاستعمار الفكري والثقافي، ووسيلة من وسائل طمس الهوية.وستحكم وفق أهوائك ومطامعك، فتستحل الدماء والأموال والأعراض، وتحابي من تشاء، وتُقصي من تشاء، دون أن يطرف لك جفن، أو يستيقظ لك ضمير! وستتنكر لشرع الله، وتزعم أن لا علاقة للدين بالحكم، وتتغاضى عن الأوامر الربانية الواضحة بالحكم بما أنزل الله، مثل قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) [المائدة: 49].نعم، ستسكن القصور، وسيحيط بك الخدم والحشم، وستركب السيارات الفارهة المصفحة، ويحيط بك الحُرَّاس الذين يفسحون لك الطريق، ويحولون بينك وبين بسطاء الناس، وستطبق شهرتك الآفاق، وتتناقل تصريحاتك وسائل الإعلام!ولكن ماذا بعد هذا كله؟!سيكون مصيرك مصير من سبقوك من الذين فرَّطوا في المسؤوليات، وأضاعوا الأمانات؛ فلاحقتهم دعوات المظلومين ولعنات المسحوقين.وربما انتُزعت منك السلطة انتزاعاً؛ لتُذَلَّ بعد عزة، وتُهانَ بعد كرامة، وتُلقى في غياهب السجون وذاكرة النسيان!أو ربما أُجِّل حسابك ليوم تشخص فيه الأبصار، وقد ذهب عنك المال والسلطان، وفارقتك الألقاب والمناصب، فتقف بين يدي الملك الجبار عارياً حافياً، فيسألك عن كل صغيرة وكبيرة؛ فيطول بك الحساب، ويحيق بك العذاب!ولن تخرج من هذه الدنيا – مثلك مثل الذين سبقوك في السلطة – بغير اللحد والكفن، بعد الأبهة والصولجان، ليُرمى ذكرك في مزبلة التاريخ، مصحوباً بالسخط واللعن!*****أما إن كانت غايتك من دخول مضمار السياسة إصلاح بلادك وتنميتها في شتى المجالات؛ فستقوم بواجبك تجاه دينك ووطنك، وستحكم بين الناس بما يرضي الله جل وعلا ورسوله عليه الصلاة والسلام. وستستشعر المسؤولية الملقاة على عاتقك، والأمانة التي كُلفت بها، وتنظر إلى المناصب التي تقلدتها باعتبارها تكليفاً لا تشريفاً.وستراقب الله في سرك وعلانيتك، وتعدل بين رعيتك وفق شرع الله، وتقوم بواجباتك كأفضل ما يُرام، وتسعى جاهداً للإصلاح والإحسان، وتؤدي حقوق البلاد والعباد.وحينها، ستلهج ألسنة الناس بشكرك والدعاء لك بالتوفيق والسداد، وسيعلو ذكرك مقروناً بالحب والثناء، وسيُكتب لك القبول في الأرض؛ لأن الله جل وعلا هو مقلب القلوب، وإذا أحب عبداً أودع محبته في قلوب عباده.وستلقى الله جل وعلا وهو راضٍ عنك، فيوفيك حسابك بما تقرُّ به عينك، ويطمئن به فؤادك، في جنات ونهر، ومقعد صدق عند مليك مقتدر. إذن، لك أن تختار أيها السياسي الحصيف الذكي بين الصنفين، وتذكر أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، وأن الله لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين، وأن العاقبة للمتقين.

Similar Posts