تفرقة الساحات .. و«بيجر» المحور العاجز

بقلم : جهاد بشير

باتت عبارة “في الزمان والمكان المناسبين” التي يُطلقها المحور الإيراني – بنظامه في طهران أو أدواته في مناطق نفوذه – في سياق وعيده بالرد على العدوان الصهيوني؛ أقرب إلى طرفة سمجة من طرفه يتندر بها الناس في مجالسهم ومنتدياتهم؛ لأنها تُظهر مدى ارتفاع تلِّ الأكاذيب الذي يرتقي عليه مفرّقو الساحات وهم يلوكون مزاعمهم في مقاومة الاحتلال ونصرة فلسطين.

على نطاق عملي وواقعي؛ لم يعد لدى محور إيران من حجج يتكئ عليها ليبرر خذلانه لفلسطين وغزة على وجه الخصوص، أو ليرقع مواقفه التي أظهرته على مدى سنة كاملة عاريًا عن المصدقية ونائيًا عن الحقيقية، لأن شريكه التخادمي أثخن فيه أيّما إثخان لكنه لا ينفك يتحرك في وضع السكون، ولا يجرؤ على الإقدام الحقيقي للانتصار لنفسه على أقل تقدير لا لغيره سواء في قطاع غزة بوصفه قضية الساعة أو في ساحة فلسطين كلّها بوصفها قضية الأمّة التي ما انفك يعايرها بالخذلان!.

استهداف عناصر «حزب الله» في لبنان عبر تفجير أجهزة «بيجر» التي يستخدمها الحزب للتواصل تم على مدار مرحلتين في غضون يومين: الأولى منهما؛ شكّلت صدمة للحزب وأنصاره والمحور كلّه، والثانية؛ عَبّرَت بوقوع التفجيرات أثناء تشييع جنائز القتلى في الضاحية الجنوبية من بيروت عن حجم الاختراق وعمقه، لكن اللافت في الأمر برمّته أن هذا الاستهداف يأتي في إطار وساحة جبهة واحدة لا جبهتين متضادتين كا يحاول المحور الإيراني ترويجه، فإنه نوع من التهديدات ذات البعد الأمضى من المعتاد بين شركيين أحدهما يعلو على صاحبه بكعبين أو ثلاثة، وإلا لو كان الأمر غير ذلك لما نجا أحد من الصف الأول للحزب وقياداته المؤثرة!

وبعد هذا التصعيد من جانب الشريك المتبوع، لا تبدو بوادر رد معتبر يقوم به الشريك التابع، لأن العبارة المتقدمة في أول المقال تكررت هذه المرة أيضًا، ومن سذاجتها لم تعد ذات أثر في الأوساط السياسية أو الميدانية أو الإعلامية، لأن تصريحات معروفة سلفًا لا تولد استثارة لدى المتلقين ولا تحرك بيادق على الرقعة.

ما جرى في الضاحية الجنوبية وإن كان ذا وقع كبير، لكنه يصادق على ما سبق بيانه في المشاهد الكثيرة التي وقعت بين المحورين المتخادمين، بدءًا من اغتيال سليماني وليس انتهاءً بتفجيرات الـ«بيجر»، وما بين هذين الحدثين وقعت حوادث كثيرة لم تُظهر أثرًا أكثر من مصادقتها على عجز المحور الإيراني أمام شريكه المتحكم الذي يفرض سطوته ويرسم خارطة الطريق كما يريد مقابل منح الأول امتيازات وصلاحيات في المنطقة والإقليم، وتلاحق الأحداث يجعله يطمع بمكاسب أكثر بحيث لم تعد أربع عواصم عربية كافية لتعوض الأثمان التي تستنزفها طهران لقاء حزمة خدماتها في محور الصراع مع العدو الصهيوني على وجه الخصوص.

لقد صادق المحور الإيراني على الحقيقة التي يؤمن بها لكنه يُظهر خلافها؛ بأن تفرقة الساحات لا وحدتها ثابت من ثوابت إيديولوجيته التي تُستخدم لجني المصالح الغربية، بحيث تبقى طهران شرطيًا ذا عصًا غليظة تهدد بهه الولايات المتحدة وشركاوها المنطقةَ العربية والإقليمية، وتجعل منه غولاً خطيرًا مؤهلاً لاكتساح بلاد أخرى ما لم ترضخ البلاد المستهدفة للمزيد من الشروط وتتكبل بالكثير من القيود، فتُفرض عليها الولاءات والطاعات لتكون أنظمتها أداة تنفيذية تحقق مصالح الغرب ومكاسبه مقابل حفنة من الأعطيات وبعض الامتيازات المحلية!

ولمّا كان الحال هكذا؛ فإن من غير المعقول أن تبقى طهران راضية بما تحصل عليه من مكاسب محدودة في حسبانها مقابل المكاسب الغربية واسعة الأفق والمدى، ومن الطبيعي أن تكثر مشاغباتها مع الشريك للضغط عليه والظفر بحصص أكبر ومساحات نفوذ أوسع، ولأن الطرفين كليهما لا يستغني أحدهما عن الآخر، فإن السبيل الوحيد حينما لا تُجدي التفاهمات نفعًا؛ هو العبث ببعض التوازنات على طرفي المعادلة وتقديم «تضحيات» تبدو في عيون الراصدين جسيمة لكنها غير مهمة بالنسبة لدوائر صنع القرار ومطابخ السياسة؛ لأن الهدف منها إجبار الطرف المتعنّت منهما على اللين وخفض سقف مطالبه لتبقى حالة التخادم -وهي من لوازم المرحلة- قائمة ينتفع منها الجميع، والله غالب على أمره.

Similar Posts