مثابات وقيادات .. بين مسارات الجهاد وبوصلة المقاومة

بقلم : جهاد بشير

لم يعرف تأريخ الأمّة الإسلامية على مدى قرون طويلة من امتداده أن فكرة معتبرة انتقضت أو تلاشت بمجرد استشهاد أو موت قادتها أو رموزها المؤثرين، ولا سيّما حركات التحرر والمقاومة، ومشاريع الدعوة والبناء، ذلك أنها تقوم على مبادئ وثوابت وأدبيات مستمدة من منهج مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوحي وهديه ومقاصده، وبأكثر أنواع الأواصر شدّة وقوة، بحيث يسعى القائمون على هذا النوع من الأفكار والحركات والمشاريع إلى تمكينها دون النظر أو الاهتمام إلى مآلات بقائهم في الحياة من عدمه!

ومن يطالع تأريخ الدعوة الإسلامية منذ عهد النبي الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- يلحظ ذلك في مشاهد ومواقف شتى، وعلى وجه الخصوص ما أصاب القرّاء أو الحفاظ من الصحابة -رضي الله عنهم- سواء من حرِّ القتل أو انقضاء الأجل؛ ويظهر ذلك جليًا فيما دوّنته مصادر السيرة النبوية في حادثة «بئر معونة» تلك الفاجعة التي وقعت في السنة الرابعة للهجرة حينما غدرت بعض قبائل العرب من المشركين بسبعين من الصحابة القرّاء فقتلوهم جميعًا إلا اثنين منهم، في مشهد يصفوه أحصاب السيّر والحديث بأنه من بين أشد المواقف التي حزن فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حزنًا شديدًا وظل شهرًا كاملاً يقنت في الصلاة داعيًا على الغادرين بأسمائهم.

وهذا المشهد ليس سوى شذرة من عقد طويل مليئ بالمصائب التي ألمت بجيل المسلمين الأول، ولا سيّما ما بين غزة أحد ومعركة اليمامة التي فقدت الأمة فيها خلقًا كثيرًا من حفاظ القرآن الكريم، ولكن ذلك كلّه لم يحل دون أن يبلغ الكتاب العزيز وهديه ما بلغ الليل والنهار، فلم يكن للقتل أو إزهاق الأرواح سبيل في حجب نور الإسلام عن الدنيا حتى عانق ما بين مشارقها ومغاربها، لأن الذين وقع عليه المصاب لم يكفوا عن أمرين اثنين كانا وما يزالان يعبّران عن مقاصد الإسلام في مواطن الصراع مع العدو، ويعدّان الفيصل في حسم المعركة بين الحق والباطل، أحدهما: ملازمة الجهاد لذاته والعمل تحت مظلته في سبيل الله وحده لا في سبيل الأشخاص وإن كانوا من ذوي الطاعة والقيادة، وهذا الفهم تجلى في فقه أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في موقفيه الذين أعقبا وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم مباشرة حين ثبّت الصحابة -عليهم رضوان الله- بقوله: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، وحين صمّم بعزم وجزم على محاربة أهل الردة ومحقهم ممن فرّقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا أن يجعلوا من تعاليم الإسلام أدوات يطوّعونها وفق ما تشتهي أهواؤهم، فهيأ الله للأمة في ظل الخلافة الراشدة بعد ذلك أسباب التمكين والنصر والفتوحات، وأمّا الأمر الآخر: فهو تربية النشء والجيل القادم على أن دين الإسلام وما يتصل به من مقدسات وثوابت ومناهج وشعائر ومظاهر، هي الهوية التي تقوم الحياة بها، وهي التي لا ينبغي أن يُفرَّط بها ولا أن يُقطع سبيل الجهاد من أجل بقائها واستعلائها.

ينبغي أن يشيع هذا الكلام بين ظهراني المسلمين اليوم وهم يرزحون تحت بأساء الحروب وضرّاء العدوان، وخاصة ما يقاسيه أهلنا في قطاع غزة الذين يكتبون بمقاومتهم الراشدة صفحات جديدة في تأريخ الأمة المعاصر، وإذا كان الغزّيون وهم أهل الميدان وفرسانه يدركون هذا المعنى، فإن بقية أبناء الأمة يلزمهم استيعاب ذلك بالنظر إلى جرى في الماضي وما يحصل في الواقع المعاصر بوصفه جزءًا من مفاصل سنّة التدافع التي جعلها الله تعالى محكمة لنتائج الصراع بين الحق والباطل، ولمّا استحر القتل اليوم بقادة المقاومة ونخبها على مدى سنة كاملة؛ فإن السبيل الموصل إلى رباطة الجأش وانضباط البوصلة يكمن في البحث عن مثابة ومشكاة ترشدان من زلت به الأحداث وأشكل عليه الطريق، وتثبتان من صمد وصبر وأدرك حقيقة الميدان؛ على حد سواء، وليس من مشهد يحفل بذلك كلّه إلا سير الجيل الأول الذين تقدمت لمحة من صنيعهم آنفًا.

إن معالجة الصحابة -رضي الله عنهم- للمصائب التي أحاطت بهم -إلى درجة وصف القرآن الكريم حالهم في بعضها بقول الله -تعالى-: {وَبَلَغتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ}- وأنماط خروجهم منها بما لا يقطع مسار الدعوة الإسلامية ولا يترك لأعدائها سبيلاً للنيل منها أو إضاعفها؛ لهي المثابة المُثلى في يومنا هذا لأهلنا في غزة خاصة ولأبناء الأمة الإسلامية عامة، وإن في الهدي الذي اتبعه الأوّلون وسار عليه المخلصون الآخرون لمشكاة عالية الجودة في ضيائها واسعة المدى في نورها ترسم طريق الرشاد على نحو مستقيم غير ذي عوج، والله غالب على أمره.

Similar Posts