طوفان .. بين الشمال وغزة
بقلم : جهاد بشير
في المشهد العراقي تُرك الشعب العراقي بلا ناصر أو معين على مدى عشرين سنة حتى بات أسيرًا خلف قضبان النظام السياسي القائم حاليًا في بغداد وضحية لمنهجيته الطائفية والإقصائية، وعلى الخطى ذاتها يُراد للشعب السوري -ولا سيما أهل الشمال المحرر- أن يُتركوا ضحايا لإجرام النظام الموالي لإيران ومنسيين في غمرة الانشغال بالأحداث، أمّا أهل فلسطين فقد جرت العادة أنهم لا يُذكرون إلا حينما يكون في المشهد تصعيد سواء بعدوان جيش الاحتلال، أو بعمل نوعي من فصائل المقاومة مثلما كان في معركة طوفان الأقصى بوصفها الأنموذج المثالي لصد جرائم الاحتلال والتي تحوّلت بدورها من حالة الصد والرّد إلى نقطة تمهد للشروع في مسار التحرير.
أحداث فلسطين ومجريات طوفان الأقصى وتطوراتها، يوازيها في المشهد أحداث قصف مناطق الشمال السوري المحرر من جانب النظام في دمشق وحلفائه الروس والإيرانيين حيث خلف ذلك مجازر بين المدنيين، كل ذلك يرتبط بالحديث عن المجتمع الدولي وموقفه المنحاز إلى الاحتلال وإلى الأنظمة والقوى ذات التسلط والطغيان، والذي يعتمد النظر والتشخيص ثم اتخاذ المواقف من عدمها بناء على زاوية نظر أحادية الجانب.
إن شعوبنا المكلومة في فلسطين وسورية والعراق وغيرها من بلاد المسلمين التي تتعرض لعدوان ممنهج متسق في الأداء ومتوائم في الأهداف رغم اختلاف أجناس العدو؛ عليها ألا تعوّل مطلقًا على موقف المجتمع الدولي، وألا تصرفَ جهدها على أمل قد يحمل بين ثناياه إمكانية الحصول على تعاطف أو مساندة تقدمها الدول الكبرى التي تسيّر المجتمع الدولي وتفرض عليه إراداتها.
إن الطغاة بطبعهم وبسجاياهم التي وطّنوا أنفسهم عليها، لا يتعاطون مع ما يتعرضون له من هزائم على أنها حقيقة، لذلك دائمًا ما يحاولون تدارك نكساتهم أو جبرها بالبطش والتنكيل، فعلى سبيل المثال: لا يريد نظام الأسد أن تكون في سورية مناطق محررة، لأنها إشعار صريح على فشله من جهة، ونجاح للثورة نسبيًا من جهة أخرى على أقل تقدير لكون الفصائل أمسكت أرضًا لا يملك النظام عليها سطوة إلا بالقصف والاستهداف عن بُعد، والحال مشابه مع كيان الاحتلال الصهيوني، الذي لما يفق بعد من صدمة طوفان الأقصى، يسعى إلى الانتقام المفرط من المدنيين، وكأنه يريد أن يرسل رسالة بأن على الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمن فشل منظومة تل أبيب الأمنية والاستخباراتية التي أطاحت المقاومة بها في غضون ساعات، وجعلتها أقل من مجرد طلل.
أمّا العراق، وشعبه الذي يصدق عليه القول: “لا بواكي له” فهو المسار الذي من خلاله يمكن الوصول إلى سبل حل العقد المتراكبة في القضيتين السورية والفلسطينية، لذلك لا يُراد لمعالم حل الأزمة العراقية أن تكون متاحة، ولا يُسمح الخوض والنقاش في أنماط معالجتها، وكل فكرة تطرحها القوى العراقية المناهضة للاحتلال والعملية السياسية؛ تواجه بالتضييق والحصار، وتقييد التداول في وسائل الإعلام؛ حتى لا تصنع رأيًا عامًا في أوساط النخب، ولا تمنح الجماهير ثقافة إدراك حقيقة ما يجري في العراق، وبذلك يعدم استقطاب القوى الحيّة المؤهلة للتغيير.
ومع هذا التوصيف في قراءة المشهد الكلي للمنطقة، تتضح الكثير من المعالم التي ترسخ القاعدة الميدانية والسياسية التي توصلت إليها قناعات العقلاء في تشخيص الحقيقة وبيانها؛ التي تصادق على عدم وجود العداء الحقيقي بين محور إيران الذي يُعد نظام دمشق ونظام بغداد أبرز أذرعه من جهة، وبين كيان الاحتلال والولايات المتحدة والحلف الداعم للصهيونية من الجهة الأخرى؛ ولا يمكن بحال أن يُصدَّقَ الخصام بين الطرفين في ظل مجريات الأحداث التي تشهد تخادمًا حميمًا، وتقاربًا في الأهداف، وانعدامًا تامًا لكل مزاعم استهداف أحدهما الآخر، إلا ما كان في خطابات العداء المصطنع ومشاعر الكره المتكلفة التي تخفي وراءها كمًا غير قليل من مطامح ومصالح ينتفع منها الجانبان.
كلا الطرفين يتعاون مع الآخر في جعل المنطقة محترقة وإفراغها من كل مظاهر القوة المضادة من: فصائل مقاومة شرعية، أو حركات تحرر، أو قوى مناهضة. وحالة التخادم هذه لا يستطيع محور إيران إخفاءها بضجيج الصراخ أو بمجرد شعارات ومواقف من ورق تتلاعب بها رياح الأحداث، فالناظر إلى مخلفات القصف على مناطق الشمال السوري وتداعياته على الناس الآمنين، ويقارنه بما تصنع آلة القتل الصهيونية في قطاع غزة؛ يرصد ملامح من السنوات الأولى للثورة حينما كانت براميل الأسد وصواريخه تستأصل السوريين من الطفل حتى الشيخ، وتستهدف وسائل النجدة من مشافي وسيارات إسعاف ومرافق خدمية، والقصد من ذلك تحقيق الإبادة والاجتثاث بممارسة سياسة الأرض المحروقة، ويجد هنا تكرارًا مضاعفًا للحملات العسكرية التي ما انفكت تستهدف غزة وأهلها على مدى يزيد عن ست عشرة سنة خلت، وبالأسلوب عينه والوسائل ذاتها، والله غالب على أمره.