ملفات منسية في القضية العراقية

بقلم : جهاد بشير

الملفات المنسية في القضية العراقية كثيرة إلى الحد الذي لا يُجدي مجرد الإحصاء نفعًا للدلالة على حجم المأساة التي طوّقت العراقيين ولا سيّما أولئك الذين غُيّبوا أو قتّلوا وانتُهكت حقوقهم وحقوق ذويهم على مدى عقدين من الزمن بدوافع طائفية تتبنّاها السلطات الحكومية وأذرعها من أجهزة الأمن والميليشيات، في ظل قوانين تُصاغ بناءً على هذه الدوافع في بعض الأحيان، وفي الأحيان الأكثر حضورًا في هذه القضية تكون خارج أطر الإنسانيّة برمّتها.

المنظمات ذات الاهتمام بحقوق الإنسان وعلى تنوّع مرجعياتها واختلاف متبنياتها، وسواء ما كان منها محليًا أو إقليميًا أو دوليًا؛ جميعها اتفقت على أن حقوق الإنسان في العراق بعد احتلاله مغيّبة إلى مستوى لا يجد السائل عنها جوابًا مهما بلغت أهميته وعلو مركزه في هذا الميدان، وكثير من التقارير التي تزدحم بها مكاتب الجهات الراعية للقانون الدولي؛ أُعلن عنها إعلاميًا وأخذت مساحة لا تكاد تحظى بالاعتبار المطلوب، ثم تلاشى ذكرها كما يزول السراب غير آبهٍ بأسى الظمآن.

أمّا بعثة الأمم المتحدة التي توشك أن تودع حظيرة العملية السياسية بعد سنوات طويلة قضتها على تعاقب مسؤوليها موغلة في شهادة الزور والانحياز المفضوح لصالح النظام السياسي؛ فهي في طليعة من يتحمّل المسؤوليات: القانونية، والأخلاقية، والتأريخية، وغير ذلك من أنواع المسؤوليات الأخرى التي تطوّق حالة حقوق الإنسان في العراق؛ لأن الإمكانات التي من المفترض أنها تمتلكها في هذا الصدد تؤهلها لتكون سببًا في تغيير واقع البلاد المؤلم، أو على أقل تقدير تستطيع أن تفرض ضغوطًا في هذا السبيل، لكنها تخلّت عن مهمّتها ووظيفتها وذهبت في مسارات تنتهي إلى أن تجعل من المنحى السياسي مستعليًا على القانون والحقوق، ولعل في منظومة القضاء في العراق التي تتعاطى مع الأحكام بناءً على الطائفية السياسية دليلاً يعزز هذا التوجه، وإلا فما قيمة وجود الأمم المتحدة تحت مسمى «بعثة مساعدة العراق» وهي لا تحرك ساكنًا تجاه التمرد الممنهج على القانون الدولي الذي ترعاه المنظمة الأممية؟!

وخلف كواليس هذا المشهد تتكدس ملفات منسية، في مقدمتها المغيّبون والمختفون قسريًا الذين أحصت وحدات مهتمة بحقوق الإنسان والميدان الصحفي ما بين ربع مليون وأكثر من مليون إنسان فقدوا في غضون أربع سنوات (2016 – 2020م) من أبناء محافظات: الأنبار، ونينوى، وصلاح الدين، وديالى، وقد بات مئات المغيبين مجهولي المصير من أبناء منطقة «الصقلاوية» الذين تتوافق ذكرى فقدانهم الثامنة متزامنة مع تدوين هذه السطور؛ أيقونة لهذا الملف الذي يطويه النسيان مع تقادم السنوات، بينما يتعلق ذووهم بالأمل والرجاء وهم يبحثون عن مجرد أثر يُنبّؤهم عن مصير أبنائهم!

ملف المغيّبين طائفيًا في العراق، هو الأخطر في المشهد؛ لأن أسبابًا كثيرة تتوافر فيه تجعله يتبوّأ هذه الدرجة من الخطورة، فمن ناحية ترفض السلطات الحكومية إجراء إحصاءات دقيقة بشأنهم، وبالتالي انعدام قاعدة للبيانات التي توثق حقوق الضحايا وأهليهم، ومن ناحية أخرى يحظى الجناة بالإفلات من العقاب على الرغم من معرفتهم وثبوت تورطهم في جرائم التغييب الموثقة أحيانًا بالصوت والصورة، والمعني بذلك الميليشيات الطائفية التي تبذل وسعها في الإيغال في هذا النوع من الجرائم كونها تأتي في سياق مشروع التغيير الديموغرافي الذي ترعاه إيران، ومن ناحية ثالثة بقي ذوو الضحايا ما بين يتامى وأرامل وثكالى دون معيل يُجلدون يوميًا بأسواط النسيان، وتطاردهم سهام الفقر والعوز، وتنال منهم قوانين السلطات الجائرة التي تأبى إلا أن تكون مرجعًا للعنصرية بثوب التمييز الطائفي.

وإذا كانت مأساة المغيّبين العراقيين أسيرة النسيان، وباتت قضايا ذويهم مظنة مكاسب يحاول هواة السياسة استثمارها ليظفروا بموطئ قدم في ساحة التنافس؛ فإن في بقاء النظام السياسي على هذه الحال ووفق الوتيرة التي يعمل بها؛ أمارات تؤول بكل عراقي إلى الرضوخ تحت وطأة التهديد، فيغدو هدفًا مباشرًا لخطر يجعله أحد اثنين: مغيبًا أو من ذوي المغيبين؛ لأن المنهجية التي يتخذها المشروع السياسي للاحتلال المزدوج بوجهيه الدولي الانتهازي والإقليمي الطائفي؛ لا تقف عند حد قانوني ولا يكبح جماحها خُلق إنساني، وليس من سبيل لدفع هذا الخطر المحدق إلا بعمل جمعي جاد ودؤوب لا يتسرب إليه الكلل ولا يعيق جريانه مصد، بحيث يسعى إلى استئصال أسباب هذا الخطر، وإبطال أدواته ووسائله وإخضاعها للحساب والعقوبة، تمهيدًا لاستعادة الحقوق، ونيل الحرية، والانعتاق من القيد الذي اشتد وثاقه على الجميع، والله غالب على أمره.

Similar Posts