حكومات الاحتلال .. بين إدمان الطائفية وازدواجية المعايير
بقلم : جهاد بشير
منذ أن ارتفع ضجيج الطبقة السياسية في العراق في (آذار/مارس 2011م) بذريعة الدفاع عن حقوق المتظاهرين في البحرين وحرياتهم، بينما سجون السلطة الحاكمة مكتظة بالمعتقلين الذين تُمارس بحقهم أبشع أنواع التعذيب وأصنافه، وبعد أقل من أسبوعين على قمع مظاهرات ثورة (25 شباط) في بغداد وعديد المحافظات العراقية؛ لم يفتر النظام السياسي ولا المنخرطون فيه -من أحزاب وشخصيات- عن المتاجرة في قضايا الأمة الأخرى والتكلف في إظهار قيم ومبادئ مكذوبة، في الوقت الذي يتمادى هذا النظام في تغييب قضايا العراقيين ويلوي رأسه مستكبرًا عنها غير آبه بمعنى إنساني أو مقصد قانوني.
وعلى هذا المنوال دأبت حكومات الاحتلال المتعاقبة وهي تتعاطى مع الشؤون الأخرى على غير سبيل تعاطيها مع المشهد العراقي نفسه، ولكن حتى مع هذه المثالية الخادعة بالنسبة للرأي العام؛ فإن ثمة تمايز في التعامل مع الملفات العربية الأخرى ولا سيما حين يكون العنصر الطائفي فيها طاغيًا، الأمر الذي يُصادق مجددًا على أن منظومة الحكم القائم في العراق تحت مظلة الاحتلال المزدوج مرتبطة وجودًا وعدمًا بالمنهجية الطائفية وتطبيقاتها في القرارات والقوانين والمواقف، لأنها بغير ذلك لا يبقى لها أي اعتبار منطقي، فقالبها الأعوج لا يصمد للبقاء في مناخات سياسية واجتماعية منطقية لا يشوبها زلل في السلوك ولا تحركها المغالطا، ولا تسيّرها منهجية المحاصصة.
وما يجري اليوم في لبنان؛ شهادة أخرى على ما تقدم من توصيف، حيث تتربع الطائفية السياسية في باحة المشهد العراقي، حيث انتفضت أحزاب وميليشيات ومرجعيات وقنوات ومواقع وقائمة طويلة من التسميات التي يكتظ العراق بها؛ على ما يجري من استهداف صهيوني لمناطق جنوبي لبنان وشرقيها بذريعة مهاجمة مواقع «حزب الله»، لكن المدنيين هم الضحايا كما جرت العادة في الصراعات التنافسية بين المتخادمين.
إن الناظر إلى الموقف الحكومي «الرسمي»، في العراق تجاه أحداث لبنان التي هي في حقيقتها امتداد لأحداث غزة، يلحظ الفرق الكبير في التعاطي والتعامل، وربما كان لحكومة الاحتلال التاسعة بعض من مواقف عابرة لم تخرج عن سياق «الدبلوماسية» بما لا يُغضب المتحكم الأمريكي ويُرضي المتخادم الإيراني في آن واحد، لكن في كل الأحوال لم يكن الموقف مشابهًا لما يحصل الآن تجاه المشهد اللبناني أو حتى يقترب من حدوده، على الرغم من أن الأخير ما هو إلا نتيجة من نتائج الأول، والسبب في ذلك كلّه واضح وبيّن هو العامل الطائفي الذي يغذي السلوك السياسي للنظام في بغداد الذي لم تلمس غزة منه ما يمكن أن يميزه عن بقية وجوه النظام الرسمي العربي، ولم تحقق ميليشياته إنجازًا عمليًا مقارنة بالشعارات الرنانة التي تطلقها تحت ذريعة «نصرة القضية الفلسطينية»، لكنه وهي فعلا المستحيل من أجل الزج بالمقاتلين، والخدمات الصحية، ورعاية النازحين، وغير ذلك بما يتعلق بحاجة اللبنانيين الذي يمرون منذ بضعة أيام في ظروف عصيبة سببها سياسة «حزب الله» وتخادمه الوقح مع المحور الذي يزعم معاداته!
ومن الأمثلة على النفاق السياسي وازدواجية المعايير ذات الصبغة الطائفية لدى حكومة بغداد وأحزاب وميليشيات «الإطار التنسيقي» ؛ أنك تراها تولي أدبارها تجاه ملف النازحين العراقيين، بل تتمادى في العمل على إنهائه قسريًا بما لا يوفر ظروفًا آمنة للعودة، أو يقدم ضمانات إنسانية وأمنية واجتماعية للنازحين الذين يقضون سنتهم العاشرة في أتون المعناة، بينما في غضون ثلاثة أيام فقط أعلنت وزارة الهجرة في حكومة الاحتلال التاسعة «استعدادها لاستقبال العائلات اللبنانية وتوفير إقامات لهم بالتنسيق مع حكومة كربلاء المحلية»!
وقرر رئيس وزراء حكومة الاحتلال التاسعة في بغداد إعفاء اللبنانيين من تأشيرة الدخول إلى العراق، وإيقاف الإجراءات القانونية أو الغرامات تجاه المخالفين أو المتجاوزين منهم؛ بينما شرّعت حكومات بغداد السابقة والحالية قوانين تحرم فلسطينيي العراق من حقوقهم، وتسلب منهم الامتيازات الخاصة التي كانوا يتمتعون بها في سبيل الحصول على حياة آمنة، بحيث أسقطت الإقامة على من يسافر منهم لمدة معينة، وحرمتهم من حقوقهم الطبية والاجتماعية والإنسانية، ثم أخذت تضغط مؤخرًا على اللاجئين السوريين بهدف ترحيلهم إلى مناطق النظام التي ما تزال تمارس فيها الانتهاكات على وتيرة عالية رغم أنهم مقيمون في العراق بصورة قانونية بناء على قرارات المنظمة الدولية للهجرة!
وهكذا يبدو المشهد العراقي المطوّق بأشواك الطائفية، حيث لا تخجل الحكومات من صنيعها، ولا يدور في خلد محرّكي النظام السياسي والمتحكمين به وفيه النظر في مآلات هذه السلوكيات التي تكشف عن دناءة في التعامل ورخص في اتخاذ المواقف، ولمّا كان أبناء لبنان يستحقون الدعم والرعاية بعيدًا عن مساقات «حزب الله» ومساراته المعوجة التي أوصلت البلد إلى هذه الحال؛ فإن في الإدمان على النهج الطائفي الذي يتبناه «المحور الإيراني» بأنظمته في العراق وسورية وما ينطوي تحتها من ميليشيات وأحزاب، أو أذرعه في لبنان واليمن وما يستظل بها مشاريع ومنهجيات؛ ما يصنع تمايزًا يرصده أبناء الأمة بعين تختلف عمّا كانت عليه عند بدء معركة طوفان الأقصى، وعلى الرأي العام أن يرفع العتب عمّن لا يستطيع كتم تعبير أو تعليق حينما يصدر تصريحات ساخطة أو يتبنى مواقف غاضبة لا يقصد فيها الإساءة للبنان وأهله قطعًا، بل يهدف إلى بيان طبيعة المحورين وحقيقتهما، والذين لا يستطيعان الاستمرار في حالة التخادم هذه إلا بالمزيد من النفاق، والكثير من الازدواجية، والله غالب على أمره.