حملة الإعدامات الأخيرة في العراق ليست أخيرة
بقلم : عمر الفرحان*
*مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب
موضوعنا اليوم موضوع ذو شجون ومآسي لا يمكن السكوت عنه ولا يمكن أن يقف أحدنا موقف المتفرج تجاه ما يتعرض له المعتقلون في السجون.
بداية.. تعددت القوانين فيما يخص الجرائم في العراق نظرا لانعدام الأمن وانتشار الجريمة المنظمة، وهذا يعد من المؤشرات السلبية في دولة تدعي أنها مبنية على الديمقراطية وتعدد الحريات، ومن ذلك ما يتعلق بقانوني: العفو الخاص والعفو العام، الذين يرام إقرارهما في مجلس النواب، والذين بدأ العمل بهما في عام 2015م؛ فإن هذين القانونين يحملان الكثير من التناقضات ويتضمنان الكثير من الفقرات التي تحمي مصالح الأحزاب المتنفذة؛ بحيث يكونان أشد وقعا على المواطنين؛ فضلا عن أن مغزى هذين القانونين ومقصدهما يصب في تحقيق حالة القتل المتعمد؛ بحجة تطبيق القانون على الأفراد الذين أجبروا عنوة وتحت التعذيب على الاعتراف بأعمال لم يقوموا بها وفقًا لوشاية المخبر السري .
إن القوانين -وكما هو معروف- لها قدسيتها ولا يحق لأحد التلاعب بها أو تفسيرها بحسب هواه، غير أن هذه القوانين في العراق باتت اليوم تفسر بحسب هوى الوزير أو الحزب الحاكم أو إرادة السياسيين من أجل تغيير الوضع لصالحهم ومصالحهم، وقد أكدت مصادر حكومية قبل مدة وجيزة إصدار أوامر تنفيذ حكم الإعدام بحق أكثر من (150) معتقلا مدانين خلال الأعوام المنصرمة.
وهذا مما يدل على أن المحاكمات التي صدرت عنها هذه الأحكام ناقصة الشرعية والثبوتية؛ نظرًا إلى الإجراءات التي سبقت القرار النهائي بحكم الإعدام من تعذيب واجراءات انتقامية، فضلا عن أن إجراءات التحقيق التي لا تسلك فيها عادة الطرق الصحيحة في هكذا مواقف، فضلًا عن عدم مراعاة الاستئناف ولا غيره من الطرق القانونية التي يمكن من خلالها أن إثبات الجرم أو عدمه، ومن ثم ستكون النتيجة هي إصدار أحكام الإعدام من أول (جلسة حكم) على المدانين سواء أكانوا مجرمين أم أبرياء.
وفيما يتعلق بوضعية السجون والجو العام فيها؛ فإنها تمثل طريقة من طرق الإعدام البطيء فالأوضاع فيها غير إنسانية من حيث المأكل والعناية الصحية، فالآلاف من السجناء والمعتقلين يعانون من الأمراض النفسية والتنفسية والجلدية والأمراض المزمنة جراء التعذيب وجراء الإهمال المتعمد لهذه السجون.
وفيما يلي نورد توضيحات لما سبق الحديث عنه فيما يتعلق بالإعدام وإجراءاته:
1- يمثل الإعدام في العراق تجاوزًا على حق الإنسان في الحياة؛ لأن ما يحصل في هذا البلد هو إزهاق روح الإنسان بناءً على الشبهة والاعتراف المنتزع بالتعذيب، وهي حقيقة سائدة ومؤكدة في العراق اليوم.
2- للأمم المتحدة أكثر من قرار (غير ملزم) يطالب بوقف عقوبة الإعدام.
3- إن الإعدام يتناقض مع البروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المعتمد من الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي يهدف لإلغاء عقوبة الإعدام.
4- وهو متناقض أيضًا مع ما اعتمده المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة في قراره عام (1984م) الذي تضمن توصيات لدول العالم لتقييد عقوبة الإعدام.
5- دعا مكتب الأمم المتحدة في العراق ولأكثر من مرة إلى عقوبة الإعدام في العراق؛ لأنها تجري بشكل تعسفي وعلى أساس اعترافات يجري انتزاعها من المتهمين بالتعذيب والإكراه، كما أن النظام القضائي العراقي لا يكفل إجراء محاكمات نزيهة كافية بما يتفق مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
وعلى الرغم من كل ما تقدم؛ شرعت الحكومة في بغداد في تنفيذ موجة من عمليات الإعدام منذ نهاية عام 2023م بحق المعتقلين في السجون الحكومية، وأسفرت عن (قتل) ما لا يقل عن 150 شخصًا.
ووفقًا للمعلومات التي وصلت لمركزنا (المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب)؛ فإن الحكومة ماضية في تنفيذ هذه الإعدامات بوتيرة مروّعة، فبعضهم يترك من دون رعاية صحية وإهمال متعمد للمعتقلين الذين يصابون بأمراض خطيرة، وبعضهم ينفذ فيه حكم الإعدام من دون الرجوع إلى آلية تصديق الأحكام القضائية التي تصدر من رئاسة الجمهورية.
وقد اتهم أغلب من أعدموا خلال الأشهر القليلة الماضية جزافًا بأنهم ينتمون إلى منظمات إرهابية، على الرغم من النمط الموثق من الشهادات من أهالي المعتقلين على أنهم أبرياء، وأنهم اعتقلوا وفق وشاية المخبر السري ووفق الدوافع الطائفية.
ونؤكد هنا أن عمليات الإعدام التي يتم تنفيذها بشكل ممنهج في أعقاب المحاكمات هي بالغة الجور؛ حيث أُعدم ما لا يقل عن (50) شخصا في سجن الناصرية في شهر شباط 2024؛ فضلا عن ترك المعتقلين يموتون من أثر الأمراض التي تصيبهم من دون أي رعاية أو معالجتهم بصورة صحيحة. وقد أكدت لنا عائلة معتقل في سجن الناصرية بأن ابنهم قد توفي بسبب مرض السل، وأكدوا أنه شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة؛ بحكم وجود بتر في الساق، وقد تعرض للتعذيب في السجن.
وبحسب المعلومات التي حصلنا عليها من أحد موظفي المفوضية العليا لحقوق الإنسان فإن عدد المحكوم عليهم بالإعدام يبلغ الآن قرابة (9000) تسعة الآف شخص تم تصديق أحكامهم قضائيًا، وبانتظار صدور المراسيم الجمهورية بذلك.
ويقر هذا الموظف -كما يقر غيره كثيرون- بوجود اكتظاظ كبير في السجون العراقية؛ حيث إن طاقة السجن الواحد تبلغ (4000) الآف معتقل تقريبا؛ ولكن العدد الفعلي قد يصل إلى ثلاثة أضعاف.
إن عمليات الاحتجاز والأحكام القضائية تفتقر إلى الدقة والأدلة والبراهين، وتستند تقارير دولية لمنظمات مختصة بمناهضة عقوبة الإعدام إلى كون تلك الأحكام لا رجوع فيه ولا تدارك للأخطاء، وترى هذه المنظمات الدولية أن عقوبة الإعدام تتسم بالتمييز، فغالبًا ما تطبق على الفئات الأضعف في المجتمع، وهي ترصد تنفيذها بحق فئة من الناس، وأبناء الأقليات العرقية والدينية، وذوي الإعاقات العقلية والجسدية، وتعتبر أن بعض الحكومات تستخدمها لإخراس معارضيها، ويتبين لاحقا أن الإجراءات غير سليمة، والحكم غير صحيح، لكن متى نفذت عقوبة الإعدام فقد انتهى الأمر، فالأخطاء التي ترتكب لا يمكن تداركها، وقد يفرج عن البريء الذي سجن لجريمة لم يرتكبها أما الإعدام فلا يمكن الرجوع فيه، وهذا هو المنطق الرئيس في معارضة عقوبة الإعدام.
ونؤكد هذه المنظمات الدولية على أن عقوبة الإعدام لا تقل خطورة عن عمليات القتل التي يرتكبها المجرمون أو من يوصفون بالإرهابيين، لأنها تنطوي على الحرمان من الحق في الحياة، وهي غير عادية لأنها تطبق في حق المعتقلين على قدم وساق بجريرة التهم الكيدية والدوافع الانتقامية والطائفية، وبعض المعتقلين ينفذ بهم حكم الإعدام من غير ارتكاب جريمة كبرى؛ حيث لا يعقل أن تتساوى الجرائم كافة في شدة خطورتها فإن الجرائم المعاقب عليها بالإعدام هي الجرائم غير العادية التي تشكل النسبة الأقل في الجرائم عموما.
ونظرًا لقسوتها واستثنائيتها فإن عقوبة الإعدام تتعارض مع مفهومي الكرامة والحرية اللصيقين بوجود الكائن الإنساني خاصة بما تنطوي عليه من إسباغ المشروعية على القتل حتى وإن كان عقوبة.
وختامًا: فإننا نرى في المركز أن عقوبة الإعدام لا تشكل رادعًا للجريمة؛ بل إنها ستؤدي إلى أفعال لا تحمد عقباها مستقبلًا من عمليات ثأر وانتقام من ذووي الضحايا؛ إذ تدلل الإحصاءات على أن تطبيق عقوبة الإعدام لم يؤد إلى خفض معدلات الجريمة في الدول التي تطبقها، كما أن إلغاءها لم يؤد إلى زيادة معدلات الجريمة في الدول التي ألغتها.