قراءة في خطاب بعض الناطقين باسم المقاومة
بقلم : مضر أبو الهيجاء
صححوا خطاب المقاومة الفلسطينية فهو خطاب أعور وعليل!
إن إصرار بعض الناطقين باسم المقاومة -لاسيما في لبنان- على توصيفهم المجافي للواقع، يزيد من عذابات وآلام الناس، وسيحدث فجوة كبيرة بين عموم الناس وبعض رموز المقاومة -الساميين- الأمر الذي يمكن أن يرتد سلبا عند شريحة من أبناء شعبنا المجاهد نحو مفهوم الجهاد والمقاومة، ونحو مشروع التحرير وحركاته جميعا!
كيف يقول عاقل -منتم متواضع ومسؤول- أن العدو حتى الآن لم يحقق أحد أهدافه، ولذلك فإنه ينتقم من الناس قتلا وهدما وتشريدا وتجويعا!
أليس قتل الناس وتشريدهم هو أحد أهم أهداف العدو الإسرائيلي منذ أن أقام دولته؟ ألم يتحدث رهبان اليهود علانية عن تشريع قتل العماليق والأغيار في تلمودهم؟
أليس سبب وعلة وأهم دوافع جهاد الدفع وأهدافه في ديننا هو حفظ دماء الناس وأعراضهم وديارهم وممتلكاتهم، وبالجملة حفظ بيضة المسلمين؟
أليس ما تحقق من قتل وتشريد وتجويع وتنكيل في غزة المنكوبة بيد الصهاينة المحتلين يوازي حجم إجرامهم خلال سبعة عقود خلت، وهو لوحده هدف أكبر وكبير؟
فلماذا لا يقرأ البعض المشهد قراءة صحيحة، وما هو سبب هذا الكبر والعور المنهجي الفكري والسياسة النرجسية؟
من قال أنه إذا سلمت المقاومة من العدو، وتم قتل وتهجير وتجويع الناس والاعتداء على أعراضهم، فإن العدو لم يحقق هدفه ولم يظفر بما يريد؟ ثم من قال أن العدو لم ينل من جزء مهم من بنية شبابنا الفدائيين المجاهدين؟
إن ما يجري على ساحة غزة الآن، وما حققه العدو من أهداف .. كبير وكثير وموجع.
لم يحلم شارون في حياته أنه سيتمكن من جرف وحرق وتمزيق أهل غزة كما حصل اليوم.
لم يتصور اليهود الصهاينة الغاصبين وأمريكا التي تدير معاركهم أنها ستضبط الأنظمة العربية والإسلامية لهذا الحد المذهل من الانضباط والتطبيع، الأمر الذي جعل أمريكا تسارع في إرساء مينائها الواعد، بعد أن سقطت غزة عسكريا، وتم تهجير الغالبية العظمى من سكان ومواطني المحافظات الشمالية والوسطى.
كيف ينظر ويقرأ عاقل المشهد الغزي ولا يرى بعينه العاقلة الرشيدة والمتواضعة الحقائق، وأن العدو أنجز خلال ستة أشهر ما حققه خلال ستين عاما؟
بعد غزة .. فلسطين والضفة والقدس وحتى بلدات الخط الأخضر -وليس الأقصى وحسب- في خطر، وهي أمام غول أمريكي يستخدم الصهاينة ونعالهم من حكام العرب ليصنع خطوات ونقلات نوعية جيوسياسية، وذلك بعدما أفلح في تحقيق نظريته للفوضى الخلاقة.
ومن المفارقات المؤلمة أن العدو الإسرائيلي الذي جرف غزة بشرا وشجرا وحجرا يتحدث -وهو يقتلنا- عن آلامه واخفاقاته وجوانب الخطأ والقصور في قراءته واجتهاداته وخطواته المتعثرة أمام التحديات التي يواجهها، وما يجب عليه فعله وتصحيحه بعد مراجعته ونقده لذاته، فيما يتحدث بعضنا بإصرار عن فشل العدو وعدم تحقيقه لأي هدف، مشيدا بكل فخر ونرجسية بخطواته واجتهاداته وقراءاته دون توقف ولا مراجعة!
حري بالقيادات الواعية والموجهة أن تحسن اختيار الناطقين باسمها، وأن تكون صادقة ومتواضعة ومسؤولة في خطاباتها، فتعيد صياغتها بشكل قويم واقعي موضوعي مسؤول ورشيد، لاسيما وقد سئمت الأمة من خطاب البعث القومي وخطاب عبدالناصر الدجال الدعي والمخادع.
اللهم سلم شعبنا ومجاهدينا والمضحين ونسألك يارب أن ترزقنا توبة حقيقية لنخرج من أخطائنا ولوثاتنا الفكرية والمنهجية وآثامنا السياسية، وسدد يارب خطواتنا وأقوالنا وأفعالنا لنكون على الصراط الذي يحقق عزة وكرامة أمتنا، ويمكن ديننا وينشر العدل في أصقاع الأرض ويحقق النصر الأول من جديد.