مقالات من الذاكرة

مفاهيم في إدارة الصراع

المقال منشور في 27 / 7 / 2014

بقلم : سالم عبد اللطيف

ثمة أمور مؤجلة تظهر في خضم الصراع تحتاج إلى إدارة حاذقة تفهم الأولويات وتعي فقه التحولات، وتدرك مغزى تأجيل المعارك الجانبية التي تصب في صالح خصومها وضرر ذلك وجدواه على حد سواء.

الساحة العراقية لها من أسباب ديمومة الصراع، ومثل هذه الأسباب تزيد معرقلات لديمومته بسبب ترصد بعض الأطراف ببعض ومحاولة استغلال الظروف الطارئة والخاصة لصالحها من أجل تفعيل تمددها وإقصائها لشريك الساحة غير آبهة بخسارة الحاضنة بعد تمكنها منها.

ومن أسباب ديمومة الصراع والانتفاضة، بل والثورة على هذه المنظومة من الظلم المركب باجتماع أجندة أمريكية وأخرى إيرانية بتراض وتوافق بينهما بتفعيل هذا الطرف أو ذاك بحسب مقتضيات المشروع المراد تطبيقه على أرض العراق مركز استقطاب الجهات الأربع بما يمتلكه من مخزون اقتصادي هائل وآلة بشرية هائلة بشقيها المنخرط في المشروع والمناهض له الذي أقض مضجع أمريكا في سنوات الاحتلال الأولى ولاسيما أن العراق سجَّل أسرع وأقوى وأشرس مقاومة لمحتل عرفتها المنطقة ولا يكاد بلد ينافسه في ذلك.

بل إن من أسباب ديمومة الصراع الدائر على أرض العراق أن اختلاف الأجندات مبعث إثارة القلاقل فالعراقيون لا يحكمهم توجه واحد فهم على مر تاريخهم لم يستسلموا لظلم ولم يسكتوا على مظلمة وأن الشخصية العراقية تجمع كما يرى علماء الاجتماع بين صلابة البداوة ونعومة المدنية في آن واحد، كل هذه الأسباب تجعل من العراق أرضا خصبة ولادة لديمومة هذا الصراع ولذلك اختارته أمريكا ليكون باكورة مشروعهم الامبراطوري الحالم بإخضاع العالم لسياسة الحكم الواحد انطلاقا من مقولة إن من يسيطر على العراق يسيطر على باقي الجهات، لكن انطلاقة المقاومة قلبت الحسابات الأمريكية واستعجلتها تفعيل الدور الإيراني الذي كان حاضرا ومرافقا للمشروع الأمريكي منذ حرب أفغانستان وما قول محمد رضا أبطحي وزير خارجية إيران الأسبق بأن لولا إيران لما احتلت أمريكا أفغانستان والعراق، وهذا القول على تكراره في أكثر من مناسبة له دلالته ومقتضياته فاعتراف إيران بمجلس الحكم باكورة التفتيت للدولة العراقية بعد خطوة تفكيك مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية له ما بعده، بزج أوراق إيران في خضم بحر العراق المتلاطم بتشابكات الأطراف فأسست إيران تحالفًا أطلقت عليه اسم البيت الشيعي لينخرط فيه أقطاب العملية السياسية مذعنين لأمرها ولأنها أي إيران كما يعرفها المحللون السياسيون تراهن على جميع الأحصنة استطاعت أن تجمع في إطار هذا التجمع المتردية والنطيحة والمفيد لها كلهم في سلة واحدة فضلا عن استحكام قبضتها عبرهم في تدجين من ارتضى من بقية الأطراف السنية والكردية الانخراط في العملية السياسية متناغما مع رغبتها في اعتماد هذا واستبعاد ذاك وهذا ظاهر غير خفي لمن يتابع مجريات الصراع على أرض العراق.

وعلى الطرف المقابل ثمة أمور تحتدم ومشتركات مهددة بالانفراط لاختلاف الرؤى والتوجهات فلم تستطع الأطراف المقابلة للتجمع الإيراني والأمريكي سوى عرقلة المشروعين الإيراني والأمريكي وفي هذا إنجاز بحد ذاته، لكنه إنجاز يقصر عن تطلعات أبناء العراق بهدفهم الأسمى المتمثل بضرب الإطار الجامع لمن يسومهم سوء العذاب وهو العملية السياسية التي قال عنها نوري المالكي في أكثر من حديث إنه يمسك ويحجم ويؤثر عن الإفصاح عن ملفات خوفا وحفاظا على العملية السياسية بمعنى أن دماء وأرواح وممتلكات ومقدرات وثروات العراقيين فداء لهذه العملية البائسة التي لم يجن منها العراقيون غير الموت والدمار.

المشتركات التي تسع العراقيين المناهضين للعملية السياسية – نتاج المحتل الأمريكي بالرعاية الإيرانية- قد تكون منصة انطلاق لثورة عارمة تلفظ كل دخيل ولكن اختلاف الأجندات ومحاولة بناء مكتسبات على جهود الآخرين قد تهدد بنقض كامل غزل المناهضين لمحتل ناهيك عن تدخلات أجندات أممية تؤمن بمصادرة الآخر ولا ترى في الآخرين غير صدى لصوتها وهنا نقطة الافتراق وبؤرة ديمومة الصراع من دون هدف أو التي تمنع من الوصول إلى الهدف المنشود.

العمل المشترك بندية المتشاركين فيه وعدم السكوت على الخطأ والرضا بمرجعية سياسية رافعة للخلاف هو الحل وإلا فالكل يدور بحلقة مفرغة يستفيد من توهان بوصلتها خصوم العراقيين جميعا بدءًا من أبناء العملية السياسية ومرورا بإيران وحلفائها وليس انتهاء بأمريكا وما تريد.

Similar Posts