|

التغييب القسري … جريمة ضد الإنسانية

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تمر الأمم والشعوب بمراحل سياسية وعبر متغيرات اجتماعية ومخاصمات ميدانية، تتحدد فيها أهمية الحفاظ على حياة الإنسان واحترام ارادته ودعم حقوقه المدنية وتطبيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الانتماء الحقيقي لبلاده، وأمام هذه المنعطفات الإنسانية والاخلاقية تظهر العديد من الظواهر التي تسئ التعامل مع مبادئ الحرية المجتمعية وتبني الأفكار الرئيسة الساعية لتقدم الأوطان وما يتمخض عنها من أفكار وأراء يطمح ذويها إلى الوصول لحالة من الرقي والازدهار والبناء والإعمار وصولًا لمجتمع فعال يصون الإنسان ويعتز به وبإبداعه ويحقق له أهدافه وغايته في التغيير والإصلاح.

تقف العديد من الأدوات والشخوص أمام هذه الطموحات الإنسانية المشروعة وتحاول إيجاد المعوقات التي تقف أمام الطموح البشري والابداع الفكري عبر استخدام وسائل الترهيب والقتل والمتابعة الأمنية والرصد والمراقبة الفكرية وتخصيص أدوات للتنفيذ عبر الهيمنة والسطوة التي يتملكها أصحاب النفوذ السياسي في مواجهة حالات الإصلاح والدفاع عن حقوق الناس وحمايتهم من الأذى ومشاريع التصفية الجسدية أو التغيب القسري.

واهتمت منظمة الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الفكرية والإنسانية بهذه المعايير الوجدانية واتخذت قرارًا مهمًا يعبر عن مدى الاهتمام بظاهرة التتبع والملاحقة الميدانية لأصحاب الفكر والرؤى المجتمعية الإصلاحية، واعتبرت اليوم الثلاثين من شهر آب من كل عام ( يومًا عالميًا للاختفاء القسري)

والذي اعتمدته الجمعية العامة في قرارها 133/47 المؤرخ 18 كانون الأول 1992 بوصفه مجموعة مبادئ واجبة التطبيق على جميع الدول، وأعطت مفهومًا انسانيًا حول معنى الاختفاء القسري والذي حددته بالقيام بمحاولات للقبض على الأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم رغما عنهم أو حرمانهم من حريتهم على أي نحو آخر على أيدي موظفين من مختلف فروع الحكومة أو مستوياتها أو على أيدي مجموعة منظمة، أو أفراد عاديين يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو برضاها أو بقبولها، ثم رفض الكشف عن مصير الأشخاص المعنيين أو عن أماكن وجودهم أو رفض الاعتراف بحرمانهم من حريتهم، مما يجرد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون.

ومنحت الأمم المتحدة أولوية في تحديد الصورة الحقيقة للاختفاء القسري

التي اعتمدتها الجمعية العامة في 20 تشرين الثاني 2006، على أن الاختفاء القسري (يوصف بجريمة ضد الإنسانية عندما يُرتكب ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي على أي مجموعة من السكان المدنيين)، ولا يخضع بالتالي لقانون التقادم. وفضلا عن ذلك، فإن لأسر الضحايا الحق في طلب التعويض، والمطالبة بمعرفة الحقيقة في ما يتصل باختفاء أحبائهم.

واعتبرت الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري أول صك عالمي لحقوق الإنسان ملزم قانونًا يتناول قضية الاختفاء القسري، وقد سبقه الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (إعلان عام 1992) الذي أعلنته الجمعية العامة والذي أصبح مرجعًا صالحًا لجميع الدول كونه يشكل مجموعة من المبادئ والثوابت الإنسانية.

وتُلزم الاتفاقية دول العالم باعتبار الاختفاء القسري جريمة يعاقب عليها القانون بعقوبات مناسبة تأخذ في الاعتبار خطورتها وتأثيرها في المجتمع، كما تؤكد أن الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية إذا ما تمت ممارسته على نطاق واسع أو بطريقة ممنهجة، وفي 6 شباط 2007 تم المصادقة على الاتفاقية في باريس بموافقة 57 دولة عليها ودخلت الاتفاقية الدولية حيز التنفيذ في 23 كانون الأول 2010، وبعدها تم إنشاء اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري.

أصبحت ظاهرة الاختفاء مشكلة عالمية ولم تعد حكرًا على منطقة بعينها من العالم، فبعدما كانت هذه الظاهرة في وقت مضى نتاج هيمنة وتعسف لأنظمة سياسية معينة وجهات مسلحة متنفدة، أصبحت الآن اكثر شيوعًا بسبب الأوضاع المأساوية والتراكمات المجتمعية التي تعيشها معظم شعوب العالم وتعاني منها وتستخدم أداة للتطويع ووسيلة للضغط السياسي على الخصوم، ويأخذ استخدام الاختفاء القسري أسلوبًا استراتيجيًا لبث الخوف داخل المجتمع مما يولد حالة من الشعور بغياب الأمن الذي لا يصيب الضحايا وأقاربهم الممارسة بل يتعدى خطوه وتأثيره نحو عموم أبناء البلاد، وهو ما يؤدي إلى

استمرار المضايقات التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان وأقارب الضحايا وشهود الإثبات والمحامون الذين يعنون بقضايا الاختفاء القسري، عندما يترافعون ويطالبون بحقوق المغيبين عبر التكيف القانوني الذي يعترف بحق الفرد في إثبات شخصيته القانونية وحقه في الحرية والأمن وعدم تعرضه لحالات التعذيب والضرب المبرح والمعاملة المهينة لكرامته وحقه في العيش الكريم والحفاظ على حياته في الحالات التي تصل إلى القتل وغياب النفس،والتي تؤدي إلى حقوق إضافية مكتسبة تتعلق بايجاد محاكمة عادلة ضمانات قضائية

تعويضات معنوية ومادية.

وإذا ما نظرنا إلى الواقع المأساوي الذي مر على العراق بعد الغزو والإحتلال الأمريكي في 9نيسان 2003 وما آلت إليه الأوضاع المجتمعية التي عانى منها أبناء الشعب العراقي، فإننا نقف أمام ظاهرة انسانية مؤلمة تجسدت في تعميق حالة الاختفاء القسري الذي ابتدأ مع أولى أيام المحتل الأمريكي حيث تم تغيب ( 2700) مواطن عراقي وأصبحوا في تعداد المفقودين ولا تعلم عوائلهم عنهم شئ، مما كان له الأثر الكبير في معاناتهم، فمع فقدان المعيل جراء الإخفاء القسري تعيش العائلات أوضاعًا اقتصادية صعبة، فغالبيتها من دون حقوق تضمن لهم رواتب لإعالتهم نتيجة عدم وجود نص قانوني يلزم المحتل أو الحكومة بمنح المغيبين وعائلاتهم حقوقاً مادية ومعنوية ، وحتى الموظفين العاملين في القطاع الحكومي من المغيبين تنقطع عنهم رواتبهم بعد وصولهم سن التقاعد مما يوجب على عائلة المغيب أن تقدم طلباً لاعتباره متوفى من أجل الحصول على الحقوق التقاعدية، وهو إجراء لم تقبل به بعض العائلات، وهو الأمر الذي يجعل من اختفاء ذويها وأبنائها ذات تأثير سلبي يضاعف من معاناتهم ويزيد من مخاوفهم، والعوائل التي تجهل مصير أبنائها المختفين تبقى مشاعرها بين الأمل واليأس وفي تساؤل مستمر وانتظار دائم لسماع خبر قد لا تأتي أبدًا.

وهذا أشارت إليه لجنة الأمم المتحدة في العراق ( بأنها تشعر بقلق عميق لأن ممارسة الاختفاء القسري كانت منتشرة على نطاق واسع في معظم أنحاء العراق على مدى فترات مختلفة، ولأن الإفلات من العقاب ومعاودة الإيذاء سائدان)، كما وأن تقرير

منظمة هيومن رايتس أكد انر هذه الأزمة الانسانية لا زالت محل بحث ومتابعة حثيثة كونها تشكل نقطة أساسية وحيوية وتمثل حالة انسانية تحدد مسارات الحياة الحرة الكريمة للمواطن العراقي في الاهتمام بحقوقه المدنية والدفاع عن وجوده الأدمي ، فعمليات التغييب القسري طالت العديد من المحافظات والمدن العراقية عبر العديد من أوجه المواجهات والأدوات التي أتبعت من قبل المليشيات الولائية والعصابات المسلحة المدعومة من بعض الاحزاب والكتل السياسية ضمن مشروع سياسي يسعى الى تغيير ديمغرافي للمدن العراقية وخاصة في محافظات ( الأنبار -صلاح الدين -نينوى-ديالى) وحزام مدينة بغداد.

وتبقى الصورة المأساوية والأزمة الاجتماعية تستعيد أهميتها دائما كونها تهم المجتمع الدولي والمنظمات الانسانية وبسبب عدم قيام الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي بواجباتها لإيجاد حلول جذرية تواجه فيها هذه الأزمة الاجتماعية وتعمل على انفاذ قراراتها والتي تدعيها عبر وسائل الاعلام والصحف والقنوات الفضائية ولكنها ميدانيا لا زالت بطيئة الحركة بل مشلولة الارادة في مواجهة عناصر المليشيات المسلحة وقياداتها التي تعمل على توسيع دائرة التغيب القسري للمواطنين العراقيين الاحرار واشاعة حالة الخوف والذعر بين الأوساط الاجتماعية والقوى المدنية لأبناء هذه المناطق وصولا الى تحقيق الأهداف والتوجهات الميدانية للمشروع السياسي الذي تتبناه المليشيات بتوسيع دائرة وجودها ونفوذها وسيطرتها على مقدرات وامكانيات المناطق المسيطر عليها من قبلهم، وجاء تأكيد

اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن أعلى نسبة للمغيبين في العالم تسجل في العراق ويتراوح عددهم بين 250 ألفا ومليون شخص.

ان قضية الاختفاء القسري من الأمور الحيوية التي تحظى باهتمام دولي وانساني عبر نشاطات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان التي تتابع بدقة الأوضاع الميدانية القائمة في العراق بعد الاحتلال الامريكي والنفوذ والهيمنة الايرانية ووجود المليشيات المسلحة التي تمتلك العديد من الامكانيات المادية والتسليحية مما يساعدها على تنفيذ سياسة التغيب القسري ضد الاصوات الداعية للتغيير والإصلاح واستمرار عمليات المتابعة لهم واعتقالهم في سجون خاصة لا تتمكن حكومة بغداد من متابعتهم والوصول اليهم أو اتخاذ أي اجراءات لعودتهم والضرب بقوة على الادوات المنفذة لهذه العمليات.

كما وأن عدم المتابعة شجع الجماعات المسلحة على الاستمرار بنهجهم وأعمالهم سطوتهم في وقت ضعف الإجراء الحكومي على تسمية الفاعلين رغم معرفتها بهم.

استمرار المنظمات الإنسانية بتأكيدها المتواصل على حسم وإيقاف عمليات الاختفاء القسري في العراق وضرورة قيام الحكومة بإجراءاتها الميدانية يتأتى من عدد المغيبين الذ ي وصل ما بين ( 12-15) ألف شخص في محافظة نينوى و(6) ألاف في محافظة الأنبار و(4) آلاف في محافظة صلاح الدين وحسب الإحصاءات والمعلومات التي أكدها المرصد العراقي لحقوق الانسان.

وتقف الحكومة عاجزة عن التزاماتها بجميع البنود الواردة في الاتفاقية الدولية الخاصة بالمغيبين والتي وقعت عليها عام 2010 ولم تسع إلى الإسراع بإصدار العديد من التشريعات والقوانين الداعمة لعمل وفعالية الاتفاقية وتشكيل اللجان التحقيقية والبحث عن الجناة الميدانين والمسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم الإنسانية ولم يتم ملاحقة الفاعلين أو محاسبتهم وإيقاع العقوبات القانونية بحقهم.

Similar Posts