العشرية الثالثة .. احتلال بأباطيل وادعاءات كاذبة
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تمر علينا هذه الأيام الذكرى العشرين لبدء العدوان الأمريكي-البريطاني على قطرنا الحبيب في التاسع عشر من آذار 2003 عندما بدأت قوات الغزو والاحتلال تهاجم وتعتدي على أرض العراق الطاهرة مستهدفة تاريخ وحضارة وتقدم البلاد والبنى التحتية والمشاريع التنموية والمعامل والمصانع وشبكات الاتصال والمواصلات ومحطات الكهرباء والمستشفيات والمباني الحكومية والوزارات الرسمية وكل ما يتعلق بالإنجازات الكبيرة التي حققها أبناء الشعب العراقي طيلة سنوات العطاء والتضحية وبلوغ مراحل الرقي والتقدم.
أتى المحتل الأطلسي لبلدنا ليؤكد حقيقة السياسة الاستعمارية والمخططات الامبريالية التي تسعى جاهدة لوأد أي مشروع نهضوي حضاري لأمتنا العربية ورأى في العراق البلد الواجهة الحقيقية لطموح وتقدم الأمة وعلامات تطلعها ونموها وتقدمها عبر العديد من البرامج والمشاريع النهضوية والتنموية والإرادة الشعبية الصلبة في حب الأمة والسعي لرقيها واستعادة مكانتها بين شعوب العالم واستمرار تأثيرها في المحيطين الإقليمي والدولي واستذكار حضارتها ومكانتها الإنسانية التي أشاعت على العالم بالعلم والمعرفة والنور البهي.
كان العدوان الأمريكي-البريطاني حلقة رئيسية في استهداف العراق وشعبه ليكون ركيزة أساسية في السياسة والاستراتيجية الأمريكية باحتلال الأقطار العربية وتسيد منطقة الشرق الأوسط والعمل على تهميش دور العراق وإضعاف قوته وتحطيم نهضته واستعباد شعبه ودعم وإسناد نظام سياسي ضعيف الإرادة تتحكم فيه القوى الإقليمية والدولية فاقد للاستقلال الوطني السياسي والاقتصادي ولا يمتلك أدوات حقيقية في عملية التغيير والإصلاح الاجتماعي وهذه كانت إحدى الملامح الرئيسية والفعالة في سلسلة الاعتداءات التي طالت العراق وأبناء شعبه المكافحين.
ابتدأ العدوان واستمر طيلة ثلاثة أسابيع وتم استباحة الأرض العراقية الطيبة وشكلت سابقة خطيرة في العلاقات الدولية باحتلال بلد أمن والسيطرة على ثرواته النفطية وامكانياته الاقتصادية وموارده المالية بأكاذيب وحجج واهية ادعتها الإدارة الأمريكية وساندتها فيه المملكة المتحدة (بريطانيا) بوجود أسلحة الدمار الشامل وامتلاك العراق للأسلحة الكيمياوية البايلوجية التي تهدد الأمن والسلم العالميين وتشيع حالة الفوضى والاضطراب في منطقة الشرق الأوسط ودعم العراق لجهات وأدوات إرهابية وهي في الحقيقة الميدانية أكاذيب باطلة وادعاءات فارغة وحجج واهية كانت غايتها إيجاد مبررات لبدء العدوان الظالم على بلدنا الحبيب واحتلاله وتنفيذ المشاريع السياسية العدوانية التي تخدم التوجهات الأمريكية-البريطانية في المنطقة.
أثبتت الوقائع والحقائق والدلائل الدامغة حقيقة الأكاذيب التي ساقتها دول العدوان، وجاءت لجنة(تشيلكوت) في شهر تموز 2016 والتي تناولت في تقرير مفصل الدور البريطاني في العدوان الذي استهدف العراق وشعبه الأبي وتحدثت عن المعلومات الاستخبارية المفبركة الكاذبة التي استندت إليها في بدأ الحرب لا سيما برفض الأمم المتحدة تفويض الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها غبر القرار 1441 في الثامن من تشرين الثاني 2002.
وتشيلكوت هي عبارة عن لجنة تحقيق بريطانية مستقلة مختصة بالتحقيق حول مشاركة بريطانيا في الحرب على العراق، وارتبط اسمها برئيسها السير جون تشيلكوت رئيس التحقيق الذي تحدث أمام مجلس النواب والرأي العام البريطاني بأن (الغزو لم يكن الحل الأخير) وإن توني بلير رئيس وزراء بريطانيا آنذاك قد استهان بتأثير الحرب على العراق والوطن العربي على الرغم من التحذيرات الواضحة التي أطلقت وقتها.
وقد أيد هذه المعلومات زعيم المعارضة البريطاني (جيريمي كورين ) بإشارته إلى أن تقرير تشيلكوت كشف أن الحرب على العراق كانت عدوانا عسكريا بمبرات مغلوطة وأن النزاع غير قانوني وعلى جميع النواب في مجلس العموم البريطاني أن يشعروا بالأسى لما كشفه تقرير تشيلكوت من معلومات بخصوص غزو العراق .
وكانت مقررات اللجنة الأمريكية التي شكلها الرئيس جورج بوش الابن بعد أشهر من احتلال العراق وكانت برئاسة (ديفيد كي ) الذي قدم تقريرا مفصلا يوم الثالث من تشرين الأول 2003 إلى مجلس الشيوخ الأمريكي أعلن فيه عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل بعد إجرائه المسح الميداني الواسع لأراضيه وعدم تمكن فرق التفتيش الدولي من الوصول إليها وأحدث التقرير ردود أفعال واسعة وأكد زيف وخداع وتضليل دول الاحتلال للرأي العام العالمي التي ساقت المسوغات التي أحدثتها والمبررات التي أوجدتها لاحتلال العراق .
لم تتمكن الإدارة الأمريكية وحليفتها بريطانيا من تحقيق مأربها وأهدافها العدوانية بإقامة نظام سياسي فاعل ومتمكن من إدارة شؤون البلاد وفشلت في اعداد برامج سياسية واقتصادية تساهم في بناء العراق واعتباره (واحة خضراء للديمقراطية) في منطقة الشرق الأوسط كما كانت تتمنى وتسعى لذلك ،فجاءت عمليات المواجهة الشعبية والجماهيرية الحقيقية برفض العدوان والاحتلال ومواجهته بشكل مباشر عبر المقاومة الصلبة للقوى والأحزاب الوطنية والمناهضة للسياسة العدوانية الأمريكية وأدوات الظلم والتعسف والاضطهاد وبمشاركة أحرار العراق الغيارى التي ساهمت في افشال مخططات الاحتلال وتكبيده الكثير من الخسائر في الأرواح والمعدات باستهداف أرتاله العسكرية وواجهاته ومقراته الأمنية والاستخبارية وقياداته الميدانية في جميع الجبهات على امتداد الوطن العزيز وأينما وجد الاحتلال على الأرض العراقية.
حققت المقاومة العراقية الباسلة إنجازات كبيرة وأهداف واسعة أكدت صلابة ومتانة الشعب ورفضه للعدوان الأمريكي -البريطاني بعمليات واسعة وكانت أسرع مقاومة في تاريخ الشعوب الحرة عندما ابتدأت في الثاني عشر من نيسان 2003 منطلقة من قضاء الفلوجة لتمتد إلى جميع قرى ونواحي وأقضية ومدن العراق مؤكدة سلامة الموقف الوطني العراقي وتكاتف شعبه وصلابة إرادته في التحرر ورفض الاحتلال والدفاع عن تراب الوطن الغالي.
جاء الاحتلال ليجعل العراق بلدا ضعيفا تتحكم فيه إرادتان سياسيتان هما الإرادة الدولية ممثلة بدولة الاحتلال الولايات المتحدة الأمريكية والإرادة الإقليمية التي يمثلها النظام الإيراني وأدواته وميليشياته المسلحة وأهدافه في التمدد والنفوذ وتحقيق أحلامه في تنفيذ مشروعه السياسي داخل العراق وبهذا الواقع الميداني المؤلم افتقد العراق إلى أطر سياسية واضحة وأدوات لمعالجة الأزمات التي أحاطت بالمجتمع العراقي وعدم وجود مديات وآفاق للتعامل الواضح مع كل ما يعانيه أبناء الشعب العراقي وأصبحت ظواهر الفساد السياسي والاقتصادي هي السمة الأساسية التي يتصف بها المشهد السياسي العراقي وأصبحت سياسية نهب الأموال وسرقة المال العام وإقامة المشاريع الوهمية وضياع ثروات البلد وانتشار شبكات تهريب الأموال وتجارة المخدرات من الظواهر الهجينة على سلوك وأخلاقية المجتمع العراقي بسبب هيمنة وسيطرة الأحزاب والكتل السياسية التي أتى بها المحتل الأمريكي وقدم لها كل الدعم والاسناد هي من تتحكم بإرادة العراقيين وتساهم في نهب ثرواته وضياع أمواله ومستقبل أجياله تنفيذا لمآربها وأهدافها الفئوية ومنافعها المالية وسيطرتها وتسيدها على الحكم في بغداد ومشاركتها في تنفيذ المخططات التي تستهدف وحدة وسلامة الأراضي العراقية والأمن الوطني والقومي لشعبه لصالح القوى الإقليمية والدولية التي ترتبط بها .
أتت سنوات الاحتلال لترسم صورة مؤلمة لواقع مأساوي يعيشه أبناء الشعب العراقي بانعدام مفهوم دولة المواطنة وضياع مبادئ العدالة الاجتماعية وغياب أسس الحياة الحرة الكريمة لينشئ بديلا عنها دولة المليشيات والعصابات المسلحة التي أسست للدولة العميقة وبدأت تؤثر في جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والمجتمعية وتتلاعب بمقدرات البلاد وفقا لأهدافها ومشاريعها مستخدمة أدوات الترهيب والقتل والاختطاف والتغيب القسري والاغتيال السياسي.
أصبح الغزو الأمريكي عنوانا للفساد الاقتصادي بعد أن انطلقت عملية إعمار العراق وتخصيص المبالغ الكبرى وبمليارات الدولارات وإيجاد قنوات وأساليب لسرقة ونهب ثروات العراق والموارد المالية لشعبه المجاهد، فشهدت عملية الإعمار (ظاهرة الفساد) التي أسس لها الحاكم المدني الأمريكي (بول برايمر) الذي يتحمل مسؤولية ضياع (17) مليار دولار من أموال النفط العراقي خصصت للمساعدة في إعمار البلاد بعد الاحتلال وتم سرقتها والتصرف بها من قبل سلطات الاحتلال الأمريكي.
أدى الرفض الشعبي واستمرار المقاومة الوطنية المسلحة ضد أدوات وتحركات المحتل الأمريكي إلى تكبيد العدو خسائر مادية كبيرة قدرتها وحدة البحوث في الكونكرس الأمريكي وهي هيئة بحثية معتمدة أن الولايات المتحدة الأمريكية أنفقت مع نهاية عام 2011 (802) مليار دولار على تمويل الحرب ضد العراق، ويشير كل من الاقتصادي الأمريكي (جوزيف ستيفليتز) و(ليندا جي) كبيرة المحاضرين في الشؤون السياسية العامة والتمويل والموازنات في جامعة هارفارد الأمريكية أن التكلفة الحقيقية لغزو العراق بلغت (3) تريليونات مليار دولار والمشاركة البريطانية بلغت (14،32) مليار دولار ، ألحقت بالمحتل الأمريكي خسائر كبيرة في الأرواح بلغت (4500) قتيل و(32) ألف جريح ومصاب وتكبد البريطانيون (179) قتيلا من أفراده .
كل ممارسات الاحتلال الأمريكي تؤكد حقيقة الخداع والكذب والأقاويل والحجج الواهية التي جاءت بها الإدارة الأمريكية لتبرر عملية الغزو والاحتلال لبلد حضاري كبير كالعراق مؤسس للجامعة العربية وأحد أعضاء منظمة الأمم المتحدة ولديه وسائل وأدوات التأثير في المحيط العربي والإقليمي والدولي ويمتلك من الطاقة والمعادن والثروات ما جعله الاحتياط الثاني من دول العالم في النفط وعلى أرضه شعب كبير مجاهد يعشق بلده ويضحي من أجله ويقاوم الاحتلال ويرفض الهيمنة الاستعمارية.