العراق في اليوم العالمي الفساد … المعطيات والنتائج

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

يحتفي العالم في التاسع من شهر كانون الأول كل عام باليوم العالمي لمكافحة الفساد، بعد أن اقرت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في 31 تشرين الأول 2003 مبادئ وأسس لمكافحة الفساد،

وعينت الجمعية أيضا يوم 9 كانون الأول يوماً دولياً لمكافحة الفساد، لإذكاء الوعي بالفساد ودور الاتفاقية في مكافحته ومنعه. ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في كانون الأول 2005.

ومع حلول الذكرى العشرين لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في تشرين ثاني 2023 تكون هذه الاتفاقية والقيم التي تروج لها أكثر أهمية من أي وقت مضى مما يتطلب من الجميع توحيد الجهود للتصدي لهذه الجريمة ويتصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة قائمة الكيانات التي تبذل جهود مضنية لضمان عالم خال من الفساد.

ويُراد من احتفالية اليوم العالمي لمكافحة الفساد لعام 2023 تسليط الضوء على الصلة الوثيقة بين مكافحة الفساد والسلام والأمن والتنمية، فجوهر تلك الصلة هو فكرة أن التصدي لهذه الجريمة حق للجميع ومسؤوليتهم، وأن التعاون ومشاركة هما ما يمكنا الأشخاص والمؤسسات من التغلب على الأثر السلبي لهذه الجريمة.

يواجه العالم اليوم بعضًا من أكبر التحديات التي واجهها منذ عدة أجيال وهي تحديات تهدد ازدهار الناس واستقرارهم في كافة أنحاء العالم ويشكل وباء الفساد معظمها، فللفساد آثار سليبة على كل جانب من جوانب المجتمع حيث يتشابك تشابكاً وثيقاً مع الصراعات والاضطرابات مما يهدد التنمية الاجتماعية والاقتصادية ويقوض أسس المؤسسات الحكومية وسيادة القانون ولا يتبع الفساد الصراع فحسب بل هو كذلك أحد أسبابه الجذرية في كثير من الأحيان، فهو بتقويضه سيادة القانون يغذي الصراعات ويعيق عمليات إحلال الأمان فضلا عن أنه يفاقم ظاهرة الفقر ويسهل الاستخدام السئ للموارد وإتاحة التمويل للمشاريع الوهمية.

ويحمل اليوم العالمي لمكافحة الفساد هذا شعار (20 عاماً على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، نحو عالم متحد ضد الفساد) للتوعية بمخاطر الفساد والتعاون محلياً وعالمياً للتغلب عليه والحد من أخطاره والقضاء عليه وتسليط الضوء على أبرز الجهود والممارسات الناجحة في مواجهة مخاطر الفساد بكل صوره وأشكاله.

وللفساد عواقب بعيدة المدى ومدمرة في كثير من الأحيان لأنه يشكل تهديدا للمجتمع وسيادة القانون وحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والقيم الأخلاقية، واعتمدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لتكون الدافع الأساسي الذي يلزم الدول باتخاذ تدابير فعالة لمكافحة الفساد.

ويسعى اليوم الدولي لمكافحة الفساد إلى تشجيع الحكومات والمجتمع المدني والأفراد على العمل معاً من أجل معالجة الفساد وآثاره المدمرة على الناس، وتشمل المبادرات المتخذة في ضوء هذا اليوم خلق الوعي وتنظيم الفعاليات والأنشطة للدعوة ضد الفساد وتعزيز سياسات مكافحة الفساد وتعزيز المزيد من الشفافية والمساءلة.

إن اليوم الدولي لمكافحة الفساد لا يكون فعالاً ومجدياً وناجحاً إلا بقدر نجاح الجهود الجماعية للمجتمعات الإنسانية في مكافحة هذه الظاهرة التي تساهم في هدر المال العام واضعاف خطط التنمية الاجتماعية والإهمال في تحسين أدواتها ويجب أن تتوافر القدرة على استعادة الثقة في نزاهة المؤسسات العاملة في القطاعين العام والخاص.

وتتمكن الدول والمجتمعات من الحفاظ على مكتسباتها وثرواتها ومواردها المالية عبر العديد من القوانين والتشريعات التي تسنها وتساهم في مكافحة الفساد والتصدي لشبكات ومنظومات المفسدين ومخططاتهم وأفعالهم ومواجهة أذنابهم العاملين في المؤسسات الحكومية والوزارات الخدمية والساعين لتحقيق المنافع الشخصية والمكاسب المادية على حساب المواطن بتشجيع صور الفساد الإداري والاقتصادي وتوسيع دائرة الاستغلال والرشوة والمحسوبية في التعاملات اليومية أو تنفيذ المشاريع الإنتاجية والاستثمارية وعدم الموافقة على اي منها دون تحقيق الفائدة المالية واستغلال حاجة المستثمر والقائم بالأعمال الإنتاجية بشكل واسع ، وهذا يؤدي إلى إضعاف القدرة الإبداعية والعطاء والبناء والأعمار وابتعاد الخيرين من أبناء البلد الساعين لتطوير مجتمعهم وتقدم وطنهم لأنهم لا يتمكنون من مجاراة هؤلاء الفاسدين ومواجهتهم والتصدي لهم وهنا تكون الدولة وأدواتها هي المسؤولة أمام أبناء الشعب في الحفاظ على مواردهم المالية وتشجيع رؤوس الأموال وتنفيذ المشاريع الاستثمارية الكبرى وسن القوانين ومحاسبة المقصرين واحالتهم للمحاكم القضائية المختصة لمعاقبتهم وليكونوا عبرة للآخرين وحماية المجتمع منهم ومن أساليبهم وتصرفاتهم وجشعهم وهذا لا يتم إلا عبر أدوات فعالة وهيئات متنفذة وأساليب داعمة ولجان تفتيشية صارمة وقدرات على التنفيذ وقوة في انزال العقوبات مهما كان الشخص الفاسد أو الجهات الداعمة له وتتحقق فيها الإرادة الحقيقة والإدارة الناجحة في الحفاظ على سلامة المجتمع وتعميق حالات الانتماء له والدفاع عن حقوق ومصالح أبناء الوطن .

ويعتبر الفساد أحد العوامل الهدامة في بناء وتطوير أي مجتمع وإضعاف لقدراته الإبداعية والذهنية والعلمية واهتمت المنظمات الدولية والمؤسسات المالية والمواجهات الاقتصادية بهذا الأمر ومنحت الكثير من وقتها في إعداد الخطط والبيانات لمواجهته والتغلب عليه عبر الوسائل والأدوات المتاحة والتي تعطي للدول القدرة على تنفيذها ، ولهذا فإن الفساد تم تعريفه بانه( استغلال موظفي الدولة لمواقع عملهم وصلاحياتهم للحصول على كسب غير مشروع أو منافع شخصية ومارب شخصية يتعذر تحقيقها بطرق مشروعة وبعبارة أخرى هو سلوك غير رسمي تفرضه ظروف معينة تتعرض له المجتمعات من حين إلى آخر وكذلك الخروج عن القانون والنظام أو استغلال غيابهما وتجاوز السياسة والأهداف المعلنة والمعتمدة من قبل السلطة السياسية وغيرها من المؤسسات الشرعية بغية تحقيق منفعة شخصية سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للفرد أو الجماعة ) ، وهذا التعريف الواضح المعاني والقاطع بالدلائل الميدانية يعطي ابعادا شاملة لمفهوم الفساد وأدواته وعوامل تبعياته وكيفية حصوله والدوافع الأساسية الرئيسية له والتي تهدد الأمن المجتمعي وتؤثر على سياسة الدولة الاقتصادية وتستهلك مواردها المالية وتضعف منظومتها الحكومية عبر السلوك الفردي أو الجمعي لشبكات من الفساد المالي والاقتصادي.

وإذا ما عدنا قليلا إلى الوراء اخي القارئ الكريم واستعرضنا المراحل التي عصفت بالمجتمع العراقي الذي كان يمتلك منظومة اقتصادية عالية وخطط وبرامج تنموية فعالة وادوات إنتاجية كبيرة نرى أن المعاناة التي مرت على أبناء الشعب العراقي كانت مراحلها الأولية وأساليبها التعسفية بعد الغزو الأمريكي للبلاد ونتائج الاحتلال الأمريكي في التاسع من نيسان 2003 ولا تزال إحدى الأزمات العميقة التي أثرت على بنية المجتمع العراقي ومستقبل الحياة فيه بعد أن أسس الى مرتكزات تتعلق بطبيعة إدارة الحكم مستندة الى العديد من الأحزاب والحركات السياسية التي انتعشت وتمددت بفعل تحالفها مع المحتل وقبولها بالدخول والمشاركة في العملية السياسية التي أتت بها الإدارة الأمريكية ووضعت لبناتها وفق مصالحها وأهدافها وتطلعاتها الإستراتيجية في العراق وذهبت الى امتيازات لسياسيين وشخصيات ارتمت في أحضان المخطط السياسي الأمريكي لتكون أدوات طيعة في تنفيذ هذا المخطط بما يحقق لها منافع مادية وطموحات شخصية وإثراء على حساب أبناء الشعب العراقي بعيداً عن الانتماء الحقيقي لتربة البلد وحقوق شعبه ومستقبل أجياله، فتكونت شبكة من الفاسدين الذين ساهموا في ضياع ثروات الشعب وأمعنوا في استخدام أبشع الأساليب لتحقيق مأربهم ومنافعهم المالية بحيث أصبحوا يتحكمون بسياسة البلاد اقتصادياً ويتلاعبون بموارده المالية ويسعون إلى تهريب العملة وتبيضها وانشاء شبكات لتجارة المخدرات وتهريب الأموال واتباع أساليب بعيدة عن القيم والأخلاق التي يتصف بها المجتمع العراقي ، فكانت تصرفاتهم تنم عن سلوك منحرف عن القيم الدينية والأخلاقية وتستهدف تحقيق منافع ذاتية بطرق غير شرعية وأصبحوا يمثلون ظاهرة اجتماعية اقتصادية سياسية أضرت بالشعب العراقي وساهمت في إضعاف دوره الاقتصادي الداخلي في الاعمار وتشيد البنى التحتية وإقامة المصانع والمعامل وتشيد الجسور والمستشفيات والمراكز الصحية والتعليمية وإنشاء الطرق الرئيسية وزيادة فاعلية القطاع العام والخاص في عملية التنمية البشرية وإعداد الكوادر العلمية والبحثية.

وأمام هذه الحقيقة المؤلمة والواقع المأساوي تكونت صورة أعطت ابعادا واضحة للميدان الاقتصادي والسياسي في المشهد العراقي العام تمثل بالمعطيات والادوات التي تتحكم فيه والوسائل والشخصيات الداعمة له والتي همها الاستفادة المالية والمنفعة الفئوية على حساب الشعب ومقدراته والتلاعب بمستقبله وحياة أبنائه ، وهذا المتحقق في عمليات الفساد الاقتصادي التي تطال المجتمع العراقي وعبر العديد من الأحداث والوقائع التي ساهمت في وصول البلاد الى نسب من البطالة في وسط الشباب بلغت 20% والتي كانت من نتائجها ان عانى المجتمع العراقي من نسبة الفقر التي وصلت إلى 25% ثم الابتعاد عن الاتمام الواسع بتعليم الابناء للقراءة والكتابة فأصبح المحرومين من التعليم المبكر يقدرون بنسبة 90% وهذه النسبة تساهم في عملية تجهيل المجتمع في خطوات متقدمة لانهاك البلاد وابعادها عن الوصول الى مصافي الدول المتقدمة وبناء وانشاء المشاريع الإستراتيجية وتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية في وقت وصلت فيه إرادات الدولة العراقية المالية الى 90مليار دولار من حجم الاحتياط النقدي لعام 2022 وارتفعت قدرة العراق من احتياطي العملة الصعبة الى 70مليار دولار بسبب ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية ، ولكن ورغم هذه الأرقام والنسب المالية لم تؤدي إلى انتعاش الوضع الاقتصادي وارتفاع القدرة الشرائية للمواطن العراقي وحصر نسبة الفقر في المجتمع ومعالجة انتشار العشوائيات في عموم البلد بسبب عدم قدرة الحكومة العراقية والتي سبقتها من الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي على إيجاد خطوات وبرامج لخطة انفجارية اقتصادية واسعة تستثمر ثروات البلاد ومواردها من الطاقة للنهوض بالبلاد نحو الرقي والتقدم والازدهار وإنهاء الوضع المادي وتحسين الحالة المعاشية لأبناء الشعب العراقي وهذا يعود لأسباب جوهرية اعتمدت بعد وضع الدستور وتنفيذ العملية السياسية التي قامت على أسس غريبة على المجتمع العراقي تمثلت بالتوافقات السياسية والمحاصصة الطائفية التي أثقلت كاهل المواطن وأصبحت تشكل عبئا عليه لأنها لم تراعي حقوق المواطنة والعقول الفعالة والمنتجة والشباب الخريج من الجامعات والمعاهد العليا بل اعتمدت صيغ المحسوبية والانتماء السياسي لأحزاب السلطة في توفير الوظائف والتعليمات لمن ينتمي إليهم إضافة إلى سطوة المليشيات والفصائل المسلحة على العديد من المشاريع الإنتاجية والتحكم بإحالتها إلى عناصرها وبعض من قياداتها .

يبقى الفساد المالي أحد الإشكالات التي يعاني منها أبناء الشعب العراقي حيث النسب الكبيرة في هدر المليارات من الأموال التي تذهب للفاسدين و تمثل أحد أعمدة الاقتصاد العراقي ومنظومته المالية مع ازدياد في عمليات تهريب الأموال من قبل بعض الشخصيات السياسية والحزبية المتنفذة والتي تبلغ (350) مليار دولار خلال عقدين من الزمن وصدرت بحقهم أحكام قضائية غيابية في أغلبها وقرارات بضرورة إعادتها للبلاد.

Similar Posts