ذاكرة الانكشاف الكبير
” مسلسل الكذب وطوفان رمضان “
الخضر الشيباني *
الكذب مع سبق الإصرار والتخطيط صار موضة سياسية للمجتمع الدولي اليوم _ إلا ما رحم ربك _ وأما في العالم العربي فالوضع أخبث لأنه جزء من السياسات المقرة في العبث بعقول الشعوب المغلوبة على أمرها وفق توجيهات القوى المهيمنة.
نخب فاسدة مجرمة لا يهمها إلا مصالحها الذاتية ومصالح المطبلين لها والساهرين على حمايتها.
فبينما استمرت الآلة الإعلامية الصهيوأمريكية تبث الكذب عن المقاومة في غزة وما فعله أهل غزة في 7 / أكتوبر / 2024 م لتبرير حربها ضد الأبرياء والضعفاء والأطفال والنساء وتستبيح قتل ما يزيد عن 30000 وجرح أكثر من ضعف هذا العدد حتى تاريخ كتابة هذا المقال بعد أكثر من 5 أشهر من عملية ” طوفان الأقصى “
فضلا عن التدمير الشامل لأكثر من 50 % من المباني السكنية في قطاع غزة.
ولم تكتف بذلك بل واصلت التشريد للناس بطريقة عبثية من مكان إلى مكان ومن منطقة إلى منطقة تحت القصف والمتفجرات والقذائف من كل نوع ومن كل شكل زعما أنها تصفي المقاومة وأنفاقها التي يصرح خبراؤهم أنهم لم يصلوا بعد إلا إلى جزء يسير منها.
بل وصل الأمر إلى مرحلة التجويع المتعمد لغالبية سكان غزة الأبرياء البالغ عددهم نحو 2300000 نسمة ومنع وصول الغذاء والدواء إليهم إلا الفتات مع وجود آلاف من الأطنان التي تنتظر دخولها في مصر والأردن وتركيا وغيرها.
كل ذلك _ زعموا _ دفاعا عن النفس وحقيقته عقلية عنصرية سادية خبيثة مجرمة لا قيم لها ولا أخلاق ولا إنسانية.
وفي كل مرة كان الغطاء الأمريكي والغربي يعطي التمديد تلو التمديد عمدا وعدوانا.
دعونا نستعرض محطات في هذا الخطاب الكاذب الغادر من باب (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) الأنعام: 55
في البداية تبنوا الرواية الصهيونية وقصة القضاء على الإرهاب الفلسطيني في غزة والدفاع عن النفس من خلال القصف العشوائي لمساكن الآمنين والتجمعات السكنية بشكل مريع ووصلوا إلى تدمير المساجد والكنائس.
ثم انتقلوا إلى الحرب البرية بمراحلها لمزيد من التأكد من تحقيق أهدافهم المزعومة.
وأعلنوا ضرورة القضاء على البنية التحتية لحركات المقاومة فاقتحموا المستشفيات ودمروا أجهزتها وخدماتها واعتقلوا طواقمها بمن فيها من الآمنين.
ولما تأكدوا من وقوعهم في مستنقع غزة نتيجة صمود المقاومة وتزايد عدد التوابيت التي ترسل إلى بيوتهم ومستشفياتهم قبلوا الوساطات بعد رفضها واعتبارها هزيمة وتخفيفا للضغط عن المقاومة.
ثم روجوا ضرورة الإفراج عن الرهائن قبل أي وقف لإطلاق النار.
وحصل ما حصل من الإفراج المتبادل عن بعض الدفع من الرهائن في مقابل الأسرى الفلسطينيين.
ثم عاودوا الكرة والحرب من جديد ومن حرصهم على السلام _ وشر البلية ما يضحك _ قتل أكثر من نصف الرهائن في عملياتهم المخذولة والخائبة بل ربما قتلوا بعض جنودهم في ثنايا تلك العمليات ثم اخترعوا إسطوانة ” تقليل “عدد الضحايا المدنيين.
هكذا تقال هذه الكلمة وبكل وقاحة من الراعي الرسمي للسلام والتطبيع مع الكيان الصهيوني (تقليل) مع استمرار القصف وكأننا نتحدث عن محمية للكائنات غير البشرية أو الوحوش.
وبعد كل هذه الأفاعيل والأكاذيب يتحدثون هذه الأيام عن السعي الحثيث لإيقاف الحرب خلال شهر رمضان!
أيها المجرمون:
لقد انكشفتم وانفضحتم على مستوى العالم كله وفي بلدانكم وبين شعوبكم أيها المجرمون.
ومن يستبيح دم الأبرياء طوال العام لا يحق له أن يتحدث عن مراعاة مشاعر الصائمين أو جبر خواطر المسلمين.
لقد علمنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حفظ كرامة الإنسان ودمه وحرماته وجعلها من الدين بل قدمها على بعض ما هو من مشاعر الإسلام ورموزه.
قال صلى الله عليه وسلم:
(لهدم الكعبة حجرا حجرا أهون عند الله من دم أمرئ مسلم).
فهل يمكن لمن يمارس القتل بدم بارد أن يفهم مشاعر الصائمين في رمضان.
إن الخطاب الذي تستخدمه أمريكا ووزير خارجيتها وسيده رئيس أمريكا الصهيوني باعترافه وقوله وفعله.
وتصريحات أبناء خالته وعماته في الاتحاد الأوروبي وممثلي الدول عظيمة الإجرام في مجلس (الخوف) الدولي أصبح مثيرا للاشمئزاز بما يحمله من الكذب والسقوط المريع في وحل الدماء العربي المسلم الفلسطيني واستباحة الحق في الحياة في غزة الأبية المجاهدة.
ولأكثر من 150 يوما نسمع الخطابات والتصريحات التي تدل بكل جلاء ووضوح أن الجريمة (قتل أهل غزة) جريمة عالمية متفق عليها من الأطراف القريبة والمحيطة والمعنية سياسيا وعسكريا بهذا الملف.
فهل هم فعلا عاجزون عن إيقاف هذا الوحش المصاب بالجنون؟
وأين قانونهم الدولي وأساطيلهم وبارجاتهم التي تحمى الأمن الدولي _ زعموا _ في كل يوم تلقى فيه الخطابات والتصريحات كان هناك المئات من القتلى والضحايا والوفيات يسقطون ضحية هذه الخطابات والمواقف الباردة الهامدة التي ليس لها أي انعكاس على الأرض. ولا ينقضي العجب مما سمي محكمة العدل الدولية التي ظلت الدول تلقي خطابات المرافعة فيها لأيام وهي توصف الجرائم والأفاعيل وتطالب بكل أساليب البلاغة والتعبير وبكل اللغات الإنسانية.
لكنها لم تتمكن من فرض خطوة واحدة وهي إيقاف إطلاق النار وإدخال المساعدات بالحجم الإغاثي المطلوب.
بل من المفارقات أنه عندما اتهم الكيان الصهيوني منظمة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) في ذات الفترة وزعم أن (12) موظفا فيها في غزة _ من بين 16000 من المنتسبين لها في قطاع غزة والضفة والمخيمات _ دعم عملية طوفان الأقصى حسب زعم الكيان.
كان ذلك كافيا لإيقاف الدعم عنها من قبل 50 دولة _ حتى الآن _ من الدول خاصة الغربية منها.
يعني محاصرة شعب كامل وتوقيف برامج إغاثته من منظمة معروفة وهم من أسسوها مع مسيس الحاجة ووضوح المشهد الذي وصل إلى حد المجاعة بسبب 12 شخصا!
أليس هذا دال على ما وصل إليه المجتمع الغربي من النفاق والانحطاط والاختلال في المعايير.
فسبحان الله تعالى وتقدس .. بعد كل هذا يأتي من يتحدث عن شهر رمضان!
وربما يتحدثون لاحقا عن عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد …وعيد .. من أجل استمرار حلقات مسلسل الخديعة والغدر الكبير.
أخي القارئ الكريم:
ربما نقبل مثل هذه التوقيتات والمحاولات ممن يقف مع الضحية ويدافع عن الأبرياء من قبيل التفاوض السياسي واقتناص أي فرصة. لكن أن يصدر ذلك من الجلاد وأعوانه فما هو إلا إيغال في الكذب والمراوغة ومحاولة العبث في مشاعر الأبرياء.
بل ومحاولة لنقل خبثهم ليصل إلى المنطقة المحيطة بأسرها ليتبنوا روايتهم ويتهموا المقاومة بأنها ترفض مد يدها للسلام لأنها ليست حريصة على راحة الفلسطينيين.
أي سلام يرجى مع هؤلاء القتلة وأهل الغدر وأي شراكة اقتصادية تنتظر مع هذا العدو الهمجي الأشر؟
إن رمضان ينبغي أن يكون هذا العام طوفانا جديدا لحياة القلوب والعقول وينبغي أن يكون طوفانا جديدا لكشف المجرمين والمخادعين على المستوى المحلي والعالمي.
وينبغي أن يكون طوفانا لابتكار أساليب التحرر وكسر قيود الظلم والاستكبار في كل مكان وزمان بحسبه.
إن نصرة غزة وتحرير المقدسات لن يتم إلا بأن يحرر المسلمون أنفسهم من القيود والأغلال التي وضعها لهم عدوهم أو وضعوها لأنفسهم بالتنازل عن حقوقهم الدينية والمعنوية والمادية.
وهذا التحرير له أوجه وأشكال كثيرة حددها أهل الاختصاص والخبرة كل في مجاله.
وما علينا إلا أن نراجعها ونعيد دراستها ونناقش كيفية تطبيقها.
(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يوسف: 21
(حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) يوسف: 110.
*كاتب وباحث يمني _ مدير عام مركز الكلمة الطيبة للبحوث (صنعاء سابقا).