اغتيال الطفولة في غزة
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
يأتي الاحتفال السنوي باليوم العالمي للطفل، الذي يُحتفى به بتاريخ 20 تشرين الثاني من كل عام ونحن نعيش أوضاعاً مأساوية على مستوى الأمة وشعوبها المكافحة من أجل الحرية والكرامة، ضد الظلم والتعسف والاضطهاد، من أجل حياة حرة كريمة، تحفظ للأجيال القادمة حياتها وديمومتها في مجتمع متماسك تتحقق فيه العدالة الاجتماعية وتحترم فيه حقوق الإنسان وإرادته، مجتمع تسوده معاني الوفاء والمحبة.
كتبت في الأسبوع الماضي أخي القارئ الكريم عن الطفل العراقي ومعاناته وانقطاع سبل العيش والحياة السعيدة في بلد يعتبر من أغنى بلدان العالم حيث مخزون واحتياط الطاقة من النفط والغاز والمعادن الأخرى ولكنه يفتقد للعديد من وسائل الرفاهية والسعادة وتسوده مفاصل الفساد في جميع مرافقه الحيوية وانعكس الحال على حياة ومستقبل الطفولة فيه، ورأيت من الوفاء والانتماء لقيمنا وأخلاقنا ومبادئنا أن يكون مقالنا هذا الأسبوع عن الطفل الفلسطيني الثائر شقيق أطفالنا في أمتنا العربية والإسلامية.
اهتمت منظمة الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني ومراكز البحوث والدراسات والإعداد التربوي والنفسي بالأحوال والمراحل التي يمر بها الأطفال وأقرت أن يكون اليوم العشرين من شهر تشرين الثاني من كل عام يوما للطفل العالمي لتعزيز الترابط الدولي وإذكاء الوعي بين أطفال العالم وتحسين رفاهيتهم والتذكير بحقوقهم ، واتخذت الأمم المتحدة قرارها بالإعلان عن يوم الطفل العالمي عام 1954 باعتباره مناسبة عالمية يحتفل فيها كل عام ثم اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان حقوق الطفل عام 1959 وأعدت البرامج والخطط الناجحة لتصل إلى نتائج حاسمة في تحقيق اتفاقية حقوق الطفل عام 1989، ومنذ عام 1990 يحتفل العالم بأسره باليوم العالمي للطفل باعتباره الذكرى السنوية لتاريخ اتخاذ المنظمة لهذه القرارات والإجراءات التربوية التي تعتبرها مناسبة لتثقيف المجتمع بشأن هذه القضية الإنسانية التربوية وحشد الإرادة السياسية والموارد المادية لمعالجة مشاكلها والاحتفال بالإنجازات الإنسانية التي تحققها المجتمعات في عموم المعمورة.
بينما يحتفل العالم باليوم العالمي للطفل، يُقتل أطفال غزة بالآلاف مع دخول الحرب بين الكيان الصهيوني ومقاتلي حماس يومها الخامس والأربعين، بينما يعيش الألاف الآخرون الذين بقوا على قيد الحياة منهم في خوف وذعر وتشرد تحت القصف الوحشي الهمجي لجيش الاحتلال، أو في العراء مشردين مع عائلاتهم.
في الوقت الذي يحتفل العالم بيوم الطفل هناك أطفال لم تتوقف معاناتهم بسبب الاحتلال وتعرضوا لأبشع الجرائم العنصرية في انتهاك صارخ للاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تنص على حماية الأطفال خلال النزاعات والحروب، فكم من طفل فلسطيني حرمه الاحتلال من رؤية والده إما بالقتل أو التغييب القسري في السجون، وكم منهم قُتل واغتيلت طفولته قبل أن يرى الحياة ويتمتع بأبسط حقوقه الإنسانية.
يأتي يوم الطفل العالمي لهذا العام في الوقت الذي أصبح فيه أطفال فلسطين في غزة والضفة والقدس أهدافا مستباحا للاحتلال وطيرانه وقواته وأطنانا من القنابل التي نزلت على غزة ورصاصا استهدف أكباد أطفال الضفة والقدس.
فأين حقوق الطفل الذي كفلها القانون الدولي؟! أليس أطفال فلسطين كباقي أطفال العالم؟ أليس من حقهم العيش بكرامة وأمن وأمان والحصول على كافة حقوقهم؟ لذا يجدد أطفال فلسطين في يوم الطفل الفلسطيني من كل عام مناداتهم الضمير العالمي ليوفر لهم العيش بحرية وكرامة كسائر أطفال العالم.
ويحرم الاحتلال الأطفال الفلسطينيون من الوصول إلى مدارسهم، بل يجرهم جنود الاحتلال في الشوارع كما يحدث لطلاب مدارس قرطبة واليعقوبية واليقظة والفيحاء والإبراهيمية في الخليل، ومدرسة اللبن والساوية جنوب نابلس.
ويعمد الاحتلال إلى هدم منازل العائلات فيشرد أطفالها ويصبحون بلا مأوى.
وعشية إحياء (يوم الطفل العالمي) دعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة ووصول المساعدات بشكل مستدام ودون عوائق وتقول اليونيسيف إن الأطفال في قطاع غزة يتعرضون لصدمات الدمار والهجمات المتواصلة والنزوح والنقص الحاد في الغذاء والماء والدواء.
وتضيف الـ “يونيسيف” أن مشاهد القتل والدمار في أعقاب الهجمات على مدرستي الفاخورة وتل الزعتر في قطاع غزة التي أسفرت عن مقتل العديد من الأطفال والنساء، مروعة ومفجعة.
لا يزال أطفال فلسطين الذين يعانون من افتقاد أبسط حقوق التمتع بطفولتهم البريئة وحق الحياة جراء الانتهاكات الصهيونية المتواصلة بحقهم، فجيش الاحتلال يضرب بعرض الحائط كافة المواثيق والأعراف الدولية ويستهدف أطفال فلسطين بالقتل والاعتقال والحرمان من أبسط الحقوق ويقتل الأطفال حتى وهم في أحضان ذويهم، كما حدث مع الشهيد محمد الدرة، كما يخطف المستوطنون الصهاينة الأطفال ويحرقونهم أحياء، كما حدث مع الطفل المقدسي محمد أبو خضير، إضافة إلى أن الأطفال الرضع يحرقون وهم نيام على أيدي المستوطنين، كما حدث مع سعد دوابشة وعائلته في قرية دوما.
وتنقل وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” بمناسبة اليوم العالمي للطفل، عن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية قولها، إن أكثر من 5 آلاف طفل بينهم ما يزيد على 3 آلاف طالب قتلوا في الهجمات الوحشية المجازر الدموية التي ابتدأت في قطاع غزة في السابع من تشرين الأول 2023 ، وتضيف الوزارة (إن مشاهد قتل الأطفال وطلبة المدارس في قطاع غزة تجاوزت كل الأعراف والمواثيق).
ويواصل الاحتلال الصـ.هيوني إجرامه البشع في ارتكاب المجازر المروّعة بحقّ الأطفال الابرياء في قطاع غزة طيلة الأسابيع الماضية، كما يمعن الاحتلال في تعميق آلام أوجاع الأطفال من المرضى والجرحى والمصابين والخدج من خلال حصار المستشفيات وقصفها وتدميرها المُمنهج وعبر سياسة التجويع والتعطيش والتهجير.
وعلبك ان تدرك أخي القارئ أن 6100 طفل قُتلوا أو فُقدت آثارهم تحت أنقاض المباني التي دمرتها هجمات جيش الاحتلال الجوية والمدفعية المكثفة على قطاع غزة، وقد تضاءلت فرص نجاتهم بشدة بعد تعذر انتشالهم، وأن أكثر من 15500 طفل أُصيبوا بجروح مختلفة تُوصف حالة عشرات منهم بالحرجة، فيما تعرض عشرات آخرون لحالات بتر لأطرافهم، فضلًا عن إصابة مئات منهم بحروق شديدة في مناطق متفرقة من أجسادهم.
وفضحت الصور التي تناقلتها وسائل الإعلام الدولية والمتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي مدى الفظائع والشراسة التي يتعرض لها أطفال غزة الذين لم يسلم منهم حتى الرضع والخدج، حيث أصبحوا مركز استهداف مباشر من قبل قوات الاحتلال.
وأثرّت تلك الاعتداءات المتعددة الأشكال والأساليب على الصحة النفسية والجسدية لهؤلاء الأطفال وقيدت حرياتهم واغتالت طفولة مئات الأطفال الفلسطينيين جرحاً وقتلاً واعتقالا وقضت على براءة أجيال كاملة جراء الحصار والعدوان المتكرر.
تشير الشهادات الموثقة للمعتقلين الأطفال إلى أن غالبية الأطفال الذين تم اعتقالهم تعرضوا لشكل أو أكثر من أشكال التّعذيب الجسدي والنفسي عبر جملة من الأدوات والأساليب الممنهجة، وأن الجرائم والانتهاكات التي تنفذ بحق الأطفال تبدأ قبل الاعتقال حيث يتعرض الطفل الفلسطينيّ إلى عمليات تنكيل ممنهجة من خلال بنية العنف الواقعة عليه من الاحتلال، بما فيها من أدوات سيطرة ورقابة ومنها عمليات الاعتقال التي تُشكل النموذج الأهم لذلك، وما يرافقها من جرائم تبدأ منذ لحظة اعتقالهم مرورا بأساليب التحقيق القاسي، وحتى نقلهم إلى السجون المركزية لاحقًا.
ويبلغ عدد الأسرى الأطفال في سجون الاحتلال حتى نهاية شهرتشرين الأول/ أكتوبر من العام الحالي، أكثر من (200) طفل يقبعون في سجون (عوفر، ومجدو، والدامون)،
وسجلت منذ بداية شهر أكتوبر وحتى نهايته (145) حالة اعتقال بين صفوف الأطفال، أعلاها في القدس والتي تشهد النسبة الأعلى في عمليات اعتقال الأطفال، علماً أن غالبيتهم وتحديداً في القدس يتم الإفراج عنهم بشروط، منها شرط الحبس المنزلي الذي يشكل أخطر السياسات التي مارسها الاحتلال بحقهم.
تبقى جريمة الاحتلال الصـ.هيوني قائمة بأساليب وخطط ممنهجة لإيذاء الشعب الفلسطيني الثائر وتوسيع دائرة الاستيطان والاستيلاء على الأراضي ومنع الفلسطينيين من العودة، والاستمرار ارتكاب المجازر الوحشية والقتل المستمر والاعتداءات الهمجية التي طالت جميع أبناء شعبنا الفلسطيني ومنهم الأطفال الأبرياء ورود ورياحين الحاضر وفتيان وأسود المستقبل للتحرير والنصر المؤزر.