العراق واليوم العربي لمحو الأمية

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تحتفل المؤسسات والهيئات التعليمية العربية كل عام باليوم العربي لمحو الأمية الذي يوافق الثامن من كانون الثاني والذي أقرته الجامعة العربية في عام 1970 بمناسبة إنشاء الجهاز العربي لمحو الأمية.

و يحتفل في هذا اليوم بالجهود الحثيثة لمحاربة هذه الظاهرة والتي تعتبر مشكلة خطيرة تقتضي جهداً عربياً مشتركاً لم واجهتها، فكانت ولا تزال تتحدى إرادة الأمة وتعيق جهودها في التوصل إلى التقدم ومتابعة التطورات الحضارية في كافة المجالات.

ويسلط اليوم العربي لمحو الأمية الضوء على أهمية توحيد الجهود العربية وبذل المزيد من العمل الدؤوب وتضافر كافة الجهود العربية وابتكار أساليب جديدة قادرة على المواجهة الشاملة لمحو الأمية.

ويشكل اليوم العربي مناسبة لإبراز الانخراط القوي للدول العربية في حراك عالمي لاجتثاث آفة لا تزال تثقل كاهل المنطقة العربية، وتعيق مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمعظم دولها.

ويدعو هذا اليوم إلى حشد مزيد من الدعم للمبادرات والبرامج الموجهة لمحاربة الظاهرة على الصعيدين الوطني والدولي، وكذلك البحث عن حلول مبتكرة لمواصلة تعزيز محو الأمية في المستقبل.

وتشكل معظم دول المنطقة العربية بؤرا سوداء للأمية على المستوى العالمي وبالمقارنة مع الدول النامية، وذلك بالنظر لتفشي ظواهر أخرى تصنف من بين مسبباتها، منها الفقر والعوز الاجتماعي وانعدام الوعي وضعف البنيات والمناهج التعليمية.

ومحو الأمية هي جزء من الهدف الرابع للتنمية المستدامة الذي ينص على (ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع) ، حيث تتمثل الغاية في ضمان إلمام جميع الشباب ونسبة كبيرة من الكبار رجالا ونساء على حد سواء بالقراءة والكتابة والحساب بحلول عام 2030.

وبهذه المناسبة كشفت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) أن معدل الأمية في الدول العربية بلغ 27،1 في المائة مقارنة ب16 في المائة على مستوى العالم.

وأبرزت المنظمة أن عدد الأميين في الوطن العربي يقارب ال54 مليون شخص، وهو عدد مرشح للارتفاع في ظل الأوضاع التعليمية المتردية والأزمات التي تمر منها المنطقة العربية.

وتستعيد في هذا اليوم القوى الفاعلة في المجتمعات قدرتها وإمكانياتها في أحداث التغيير والإصلاح المنشود والتقدم بمسارات كبيرة وبمساحات واسعة على عمق الانتماء الحقيقي والإرادة الصلبة والأهداف المنشودة التي تحتضنها الطاقات الشبابية وتشكل العامل الأساسي في رقي وتقدم المجتمع والنهوض به ليكون في مصافي الدول المتقدمة ويواكب مسيرة الازدهار والتقدم والتطلع نحو المستقبل بإرادات فعالة وأفكار نيرة وتجارب ميدانية رائدة ومشاريع تنموية تخدم حركة المجتمع وتعين أفراده وتوفر لهم الحياة الحرة السعيدة وترسم لهم آفاق المستقبل المشرق لأجيالهم وتؤسس النظرة الحقيقية في كيفية التعامل الإيجابي في دعم وإسناد الروح الكفاحية التي يتمتع بها الشباب الواعي الناهض الذي يعرف حقيقة دوره ومسار حياته في تعزيز البنية التحتية للبلاد وتحديد المسارات المشعة والطرق المضيئة في مجتمعه وتعزيز الجوانب الفكرية والعلمية الثقافية في كافة مناحي الحياة وضمان حرية الفكر وصون عملية الابداع والتطوير الذاتي للقدرات الشبابية .

لا تتقدم المجتمعات ولا تحقق إرادتها ولا تسمو بتطورها وسمو رفعتها إذا لم تكن قائمة على أسس ثابتة في دعم الخطوات الكفيلة لمحو الأمية وتسخير جميع الإمكانيات الحكومية في سبيل توجيهها في عملية الإصلاح القائمة للمجتمع والنهوض به وتعزيز البنية الأخلاقية والقيم الذاتية واحترام القابليات التعليمية التي تتصف بالجرأة والعطاء والشجاعة في الرأي وتقديم الأفكار والمقترحات السديدة التي تشكل النواة الحقيقية لأي مشاريع إستراتيجية وبرامج تنموية تخدم المسار الإيجابي لحركة البناء في المجتمع، وهذا لا يمكن أن يتحقق أخي القارئ الكريم إلا عبر أدوات حقيقية ومبادئ رصينة وبرامج ثقافية ذات أبعاد تعبوية شاملة لجميع مجالات العمل الميداني والأخذ بمقتضيات المصلحة العليا للبلاد في إيجاد مساحات لعمليات التدريب والنشأة والاحتواء للطاقات والإبداعات الميدانية.

ومن هنا تبدأ المراحل الأولية في إنضاج العملية التربوية وبناء القاعدة الرصينة للأخذ بكل الأسباب التي توصل إلى نتائج قيمة من احتضان ورعاية كل المواهب والإبداعات وتشخيص الحالات العلمية والفنية التي تظهر من خلال المتابعة والدراسة المستمرة وفهم الواقع الميداني الذي يتعايش فيه المجتمع وكيفية إدارة عملية اعداده بشكل يساهم في تحقيق مستقبل زاهر للوصول إلى تحقيق حالة من الرفاهية والسعادة واحتواء جميع الطاقات الإبداعية في مقتبل حياتها والأخذ بها لتعزيز حالة الوعي والفهم والإدراك ومعالجة جميع الإشكالات والحواجز التي تمنع تحقيق هذه الآمال العريضة.

وبهذا فإن محو الأمية تعتبر من القضايا الأساسية في بناء المجتمعات وهي عنصر جوهري من أهداف منظمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وجدول أعمالها حتى عام 2030 .

والعراق من البلدان التي كانت تتسم بنواحي مضيئة في ميادين العلم والمعرفة والتقدم بمسارات محو الأمية وتحسين أدوات المجتمع في تقبل القراءة والكتابة عبر برامج ثقافية وخطط منهجية علمية استندت إلى أسس وركائز مجتمعية أساسها بناء الإنسان واعتباره العنصر المهم في تقدم ورقي البلاد وسخرت جميع إمكانيات الدولة العراقية لتكون بغداد مناراً للعلم وضياءً للمعرفة وإشعاعاً للحضارة الإنسانية وبهذا حظي العراق بنظام تعليمي رصين منح على أثره جائزة منظمة اليونسكو لعام 1979 لجهده الميداني الكبير في القضاء على الأمية والذي تحقق عبر حملة وطنية شاملة الأعمار من 15_45 سنة للمواطنين بحيث أدى إلى انخفاض نسبة الأمية إلى 10% حسب الإحصائيات التي أعلنتها في حينها الأمم المتحدة.

بعد الغزو الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان عام 2003 تأثر قطاع التربية والتعليم بنتائج الاحتلال والأوضاع المأساوية التي رافقته بتحطيم وهدم الحضارة الإنسانية العراقية مستهدفة جميع ميادين الحياة ومنها ميادين العلم والمعرفة وتأثرت كباقي قطاعات الدولة بحيث أعلنت منظمة الأمم المتحدة وحسب ما جاء في إحصائية نقابة المعلمين العراقيين بوجود 12 مليون شخص أمي في العراق وأن سبب ما وصلت إليه حالة التعليم لعدم وجود تخصيصات مالية للجهاز التنفيذي لمحو الأمية وأن العراق يتجه للأمية وليس محو الأمية، وهذا مؤشر ميداني حقيقي عن انتشار الأمية في المجتمع العراقي ولدى أوساط شعبية مختلفة في أعمارها ونسبة الجهل والمعرفة بين صفوفها وحسب ما أكدته الاحصائية التي أعلنها الجهاز المركزي العراقي للإحصاء عندما أشار إلى أن الأمية تنتشر في العراق بواقع 13% عند عمر عشر سنوات و8% يعنى عشر سنوات للذكور و18% مثلها للإناث كما أن نسبة الالتحاق بالمدارس المتوسطة يشكل 57% والإعدادية 31% في عموم البلاد .

هناك أسباب جوهرية لارتفاع نسبة الأمية في الوسط المجتمعي العراقي تعود إلى عدم استقرار الأوضاع السياسية والأمنية وتصاعد حدة الخلافات والصراعات بين الكتل والأحزاب السياسية وعدم انتعاش الحالة الاقتصادية وضعف المستوى المعاشي وافتقار البلد إلى برامج تنموية شاملة وخطط اقتصادية للنهوض بالمنظومة الاجتماعية الذي أدى إلى زيادة نسبة الفقر بين العوائل العراقية حتى بلغت 25% من مجموع عدد سكان العراق البالغ 40 مليون نسمة مما دفع العديد من العوائل العراقية إلى تشغيل أبنائهم بغية الحصول على موارد مالية تعينهم في حياتهم وهذا الأمر أدى إلى ترك البعض لدراسته وعدم الانتظام في الذهاب للمدارس، وعدم وجود آلية لمتابعة التسرب الميداني الحاصل في المدارس التعليمية ودراسة الأسباب الجوهرية والعمل على معالجتها وانعدام تفعيل قانون إلزامية التعليم كما أن العراق بحاجة إلى جهود ميدانية كبيرة وعمل متواصل عبر برامج وأنشطة تربوية تعيد لقطاع التعليم ألقه وازدهاره وتنمية الطاقات الشبابية والدفع باتجاه تمويلها وتوسيع مداركها العلمية باعتماد الأسس الناجحة في محاربة الفساد في المنظومة التعليمية اُسوة بباقي قطاعات الدولة واعتماد المدارس محور أساسي في تنشيط الفكر والمعرفة لدى أبناء الشعب وأنها تشكل المراكز الحقيقية لتنوير المجتمع واستخدام الأسس الرصينة في التوعية الشاملة بفوائد برامج محو الأمية على المستوى الفردي والعام ووضع حيثيات لنجاح هذه البرامج وتوفير التمويل الكافي لها لكي يتم نجاح أولويات عملها وتنفيذ خططها الميدانية مع تفعيل القدرة على محو الأمية على إستراتيجية وطنية تعتمد وجود قانون يحكم مسألة محو الأمية والقدرة على جمع البيانات التي تؤسس لرؤية شاملة لوضع هيكلية تعليمية واضحة على جميع المستويات وفي جميع محافظات العراق .

Similar Posts