عناية الأذكياء بمسألة الدعاء

الشيخ عبد المنعم البدرني

قوله تعالى في سورة مريم على لسان سيدنا زكريا عليه الصلاة والسلام:((وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيّاً(4)).

فإن الشقاء في ترك الدعاء، وإن السعادةَ في المداومة عليه، أُعطِيَ العبدُ أم مُنِعَ، فإن أعطي سعُد، وإن مُنع فقد سعُد، فإن سعادةَ ممنوعِ الإجابةِ تتحقق في أمرين:

الأول: فلربما سعادته في المنع وليس في الاستجابة، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة :((وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)).

الثاني: أن ممنوع الإجابة لم يتحقق له المطلوب ولكنه حقق أعظمَ من ذلك، ألا وهو الدعاء، وهو أشرف عبادة يقوم بها الإنسان.

ولذلك قال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم :(الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وغيره.

أي إن الدعاء هو صلب العبادة، وقطب رحاها ومختصر لكل ما يراد من معاني العبودية والألوهية، فالدعاء يُظهِرُ:

ضعفَ الإنسان أمام قوة اللَّهِ تعالى، ويُظهِرُ فقرَه أمام غنى اللَّهِ تعالى، ويُظهر ذُلَّهُ أمام عزة اللَّهِ تعالى، ويُظهِرُ نقصَه أمام كمال اللَّهِ تعالى، ويُظهِرُ حاجتَه أمام استغناء اللَّهِ تعالى عن جميع خلقه.

ولذلك جاء في الحديث قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(مَن لم يسألِ اللَّهَ يغضبْ عَلَيهِ) رواه الترمذي وغيره.

وفي لفظ للإمام أحمد في مسنده وغيره:(من لم يدع اللَّهَ غضب عليه).

انظر وتأمل يرحمك اللَّه.

فلماذا يغضب اللَّهُ تعالى ويسخط على من لم يَدْعُهْ؟!.

لأن ترك دعاء اللَّهِ تعالى نوعُ كِبْرٍ واستغناءٌ عنه سبحانه، وَاللَّهُ لا يحب المتكبرين، ومنه قوله تعالى في سورة غافر:((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60).

فالشقي هو الذي ترك الدعاء، والسعيد هو الذي داوم على دعاء مولاه سبحانه، أُعطِيَ أم مُنِع.

فإن أُعطِيَ شكر، وإن مُنِعَ صبر وأحسن الظنَّ بربه، بأنه أعلمُ منه بمواضع نفعه، وفي كلا الحالتيْنِ أفلح العبد وظفر.

فيا أيها المسلمون:

اجتهدوا في الدعاء لإخوانكم المجاهدين المرابطين في غزة وغيرها من ثغور الإسلام والمسلمين، وأحسنوا الظن بربكم ولا تستعجلوا الإجابة، كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يستجابُ لأحدكم ما لم يعجل، يقول دعوت فلم يُستَجَبْ لي)

فعلى العبد الدعاء وحسن الظن بالله تعالى بأنه لا يُخَيِّبُ عبده إذا دعاه.

Similar Posts