نصرةً لغزة العزة
البرهان في دلائل فضل الجهاد في القرآن
الشيخ عبد المنعم البدراني
وأبدأ بذكر فضل الجهاد بدلالة ذكر وسائله في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله تعالى في سورة كاملة تبين فضل وسيلة من وسائل الجهاد في سبيل الله تعالى، ألا وهي سورة العاديات، وقوله تعالى فيها:((وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا (1) فَٱلۡمُورِيَٰتِ قَدۡحٗا (2) فَٱلۡمُغِيرَٰتِ صُبۡحٗا (3) فَأَثَرۡنَ بِهِۦ نَقۡعٗا (4) فَوَسَطۡنَ بِهِۦ جَمۡعًا (5)، وهذه أوصاف للخيول التي تمتطى ظهورها للجهاد في سبيل الله تعالى، والله تعالى لا يُقسم إلا بشيء عظيم القدر عنده، فالخيل واسطة عظيمة من وسائط الجهاد في سبيل الله تعالى في ذلك الوقت، ولم يكن يمتطي ظهورها كل أحد من المجاهدين، إنما هي وسائل الفرسان منهم، إذ ليس كل مقاتل فارس.
ويقوم مقام الخيول في كل زمان آلته، فقد تكون سيارة أو دراجة هوائية أو بخارية وأشباه ذلك من وسائل كل عصر.
فإذا كان هذا منزلةَ الخيول التي تُمتطى في سبيل الله، فكيف هي منزلة من امتطاها وجاهد بنفسه وماله نصرة لله ورسوله والمؤمنين!
ومن دلائل فضل الجهاد والمجاهدين عند الله تعالى في كتابه أمره جل وعلا لهم بوجوب إعداد العُدّة له، وجعل ذلك الإعداد له علامة على الإيمان، وجعل ترك إعداد العُدّة له من النفاق، فقال جل وعلا واصفاً المنافقين بقوله في سورة التوبة :((وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً)). الآية 46، فالمنافق لا يفكر في الجهاد، ولا يرجو ثوابه، ولذلك لا يعد له عُدَّته، ولا يتهيأ له.
ولذلك أمر الله تعالى المؤمنين بإعداد العُدّة للجهاد وبما يستطيعون من غير تكلف، فقال عز من قائل في سورة الأنفال :((وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60).
وقوله تعالى :((مِّن قُوَّةٍ)) نكرة في سياق الأمر فأفادت الإطلاق، فالمأمور به من الإعداد مطلقه، كُلٌ حسب قدرته و استطاعته بدلالة قوله تعالى :((مَّا اسْتَطَعْتُم))، وفي هذه الآية رّدٌّ على من اشترط التكافؤ بالقوة مع العدو كشرط لصحة الجهاد.
لقد أشار القرآن إلى فضل المجاهد في سبيل الله تعالى، وجعل له أربع مناقب:
الأولى: أن الله تعالى قد شهد للمخلصين منهم بالصدق في الدنيا، وهي تزكية عظيمة لهم من عالم الغيب والشهادة سبحانه، فقال جل وعلا في سورة الحجرات :((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)).
و أمرنا بأن نكون معهم وبصحبتهم ورفقتهم فقال جل وعلا في سورة التوبة: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119))
الثانية: مكانة من قُتل منهم في سبيل الله تعالى في البرزخ، فلقد شهد الله تعالى لهم بالحياة البرزخية الطيبة ونهى الله عباده بأن يقولوا أو يعتقدوا بمماتهم، بل إنهم في عداد الأحياء في البرزخ عنده.
فأما النهي عن القول بموتهم ففي قوله تعالى في سورة البقرة :(( وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ (154)).
أي أحياء في البرزخ وفسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحياة البرزخية في قوله:(أَرْوَاحهمْ فِي جَوْف طَيْر خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيل مُعَلَّقَة بِالْعَرْشِ تَسْرَح مِنْ الْجَنَّة حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيل فَاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبّهمْ اطْلَاعَة فَقَالَ : هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ فَقَالُوا : أَيّ شَيْء نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَح مِنْ الْجَنَّة حَيْثُ شِئْنَا ؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا قَالُوا : يَا رَبّ نُرِيد أَنْ تَرُدّ أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا حَتَّى نُقْتَل فِي سَبِيلك مَرَّة أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَة تُرِكُوا ” . أخرجه مسلم
ونهى الله تعالى أن يمر موتهم بحسبان أحدِ فقال جل وعلا في سورة آل عمران :((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)
الثالثة: وعد الله تعالى له بالمغفرة والجنة والرضوان والنعيم المقيم كما في قوله تعالى في سورة الصف :((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)
الرابعة: ومن عاش منهم فلقد وعده الله تعالى بالفتح والنصر القريب كما في قوله تعالى في سورة الصف: ((وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13))
فسبحان الله الكريم الذي يمن بنعمة الجهاد والشهادة على من يشاء من عباده.