الغضب العربي الميت
الناقد أدهم الشبيب
كان العرب إلى زمن قريب “منتصف ونهايات القرن الماضي” أمة متكاتفة بنسبة مقبولة رغم فرقتهم والحدود السياسية -غير الجغرافية- المصطنعة التي تفصلهم، وكانت أكثر قضية تظهر تكاتفهم وانتماءهم العروبي على السطح من حين لآخر هي قضية فلسطين وتفاعلاتها الدولية ، نعم كان هناك قضايا أخرى يخرج لها الشباب متظاهرين لكن الذي كان يثير غضب الشارع العربي بل -والحاكم العربي- الذي لم يكن مدجنا إلى هذا الحد- هو الاستفزاز الصهيوني من حين لآخر على اراضي فلسطين ،
فكانت الجامعات تغلق ويخرج طلبتها ثائرين هاتفين والمدارس تتجمع بضغط جماهيري مؤثر فضلا عن الطبقات العاملة لدرجة أن الحكومات كانت ترضخ وترسل جيوشها إلى أرض الرباط ، وإن لم تفعل فإنها تضطر لفتح أبواب التطوع الحر غير المقيد لمن يريد الالتحاق بالجهاد هناك، وقد وعينا هذا وكنا أطفالا نرى شبابا يكبروننا بفارق قليل يصطفون بطوابير لتسجيل أسمائهم في قوائم الملتحقين بالجهاد، والدولة عليها تأمين الطريق والطعام ،
بل إننا في إحدى المناسبات ذهبنا إلى إدارة المدرسة نطلب التسجيل عندما حصلت إحدى الانتفاضات وكان متوقع أن تتطور إلى حرب كالتي اندلعت في تشرين الماضي في غزة وما زالت دائرة، فطلب منا المدير -بعد أن حيانا- موافقة أولياء أمورنا.
فلم يكن الحكام حجة يتكئ عليها الناس بل كان الناس حجة للحاكم حتى وإن كان مترددا أو مقيدا بالأوضاع الدولية إذ إن الأمم المتحدة أو أي منظمة دولية لا يمكن أن تقف حائلا أمام إرادة أي شعب، بل إن خروج الشعب كان يستغل من قبل الحاكم كعذر للالتحاق أو الدعم اللوجستي في الأقل لمقاومة فلسطين مستندا على “أنني لا حيلة لي أمام شعبي الذي إذا استمر غضبه سيسقطني” وحينئذ تخسر الجهات الداعمة لهذا الحاكم خدماته وولاءه إن كان متماهيا معهم.
لكن اليوم الشعوب العربية جبنت وكسلت ولا بد للمتكاسل من عذر فاصطنعت عذر الحكام العملاء، وأنا على يقين لو أن الشعب خرج لنصرة فلسطين فلن يتصدى له الحاكم بجدية تساوي جديته إذا خرج الشعب جوعا أو اعتراضا على اضطهاده أو فساده، بل إنه سيرضخ ، لكن أن يصل الجبن بالملايين حد أنهم يجلسون بعشرات الآلاف في ملعب كرة قدم يستمتعون و يهتفون “نفديك بالدم والروح يا فلسطين” وأهل فلسطين على مسافة منهم يموتون جوعا وقصفا ولا يستطيعون لهم نفعا لأنهم يحتجون بأن رجلا واحدا يمنعهم من ذلك فهذا عذر المتخاذل.
ولكي أبين لك خوف العالم المتنفذ من خروج الشعوب العربية وتصدقني، وكذلك لتعرف الفرق بين الشعب العربي اليوم وأمس سأذكر لك الحادث الذي رواه ترامب على الشاشة للصحفيين -دون خجل- بعد أن تم عقد صفقة القرن بالتطبيع مع اسـ.رائيل وبيع القضية ، يقول ترامب :”كان المستشارون لدي وبعض الحكام العرب خائفين من إعلان التوقيع على الصفقة، كان خوفهم من رد فعل الشارع العربي فقلت لهم : صدقوني لن يحصل شيء وأنا الضامن ولكني عجزت عن طمأنتهم ورفضوا خوفا من سقوط عروشهم على أيدي الجماهير، ولكني كنت مطلعا تماما على ما وصل إليه الشعب العربي من استسلام ولهو وانشغال فأصريت وأوعزت لدائرتي الإعلامية أن تعلن -من جانب واحد- خبر إتمام الصفقة مع العرب وانتظرنا يوما كاملا وكانت اتصالات( m + m ) قد أحرقت هاتفي ولم أرد حتى مضى يومان فاتصلت بهما قلت مبتسما :”حسنا ، هل حصل شيء في الشارع”؟ قالوا : لا .
قلت: فتعالوا إذن لنوقع.
وتم التوقيع التاريخي بسلام وسرور واحتفلنا” انتهى كلامه.
وأظنهم شربوا نخب ذلنا كما شربه نتنياهو وأصدقاؤه من الحكام العرب اليوم فقد مات الغضب العربي. ولله المشتكى.