ذاكرة الانكشاف الكبير
” الجنايات الدولية وفاحش القول “
بقلم : الخضر الشيباني *
كلما حاولت ختم حلقات هذه السلسلة بدا في الأفق انكشاف جديد يجعلني أتريث مسلطا الضوء على زاوية جديدة من زوايا الانكشاف الكبير في تاريخنا المعاصر.
والذي لم يترك مجالا حيويا إلا وسلك فيه وأوغل فيه.
ولم يترك أسرارا ومخططات مخفية لعقود بل لقرون إلا وسلط الضوء عليها.
ولم يترك نفوسا مجرمة وفاسدة وعنصرية مريضة خبيثة إلا وأخرج قيح حقدها وكشف عوراتها.
وكل ذلك يجري وفق سنن الله في خلقه كما قال تعالى:
(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) الروم : 41 .
وفي هذا السياق وخلال الأسابيع الماضية وقبلها خلال الأشهر الخمسة الماضية كثر الحديث عن محكمة الجنايات الدولية التي تتخذ من لاهاي في هولندا مقرا لها.
ولعلك _ أخي القارئ أختى القارئة _ تتابعون وتدركون السبب في ذلك ألا وهو القضية التي رفعتها دولتا جنوب أفريقيا وأوغندا ضد الكيان الصهـ.ـيوني متهمة له بعمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد أهلنا في حربه ضد قطاع غزة بعد معركة طوفان الأقصى في 7 / أكتوبر / 2023 م .
وقبل أن أصل إلى جوهر وفكرة هذا المقال دعونا نسلط الضوء على مفارقات لافتة للنظر ظهرت في السياق مما له علاقة بهذه المحكمة وله علاقة بحرب غزة فمن ذلك:
أولا: مفارقة صاحب الدعوى.
صحيح أن المطالبة بالعدالة والمساواة في الحق البشري في الحياة ونيل الحقوق يشترك فيه جميع بني آدم لكن في جميع الحالات هناك ” نائحة ثكلى ونائحة مستأجرة “.
وللأسف فرفع القضية ضد الكيان الصـ.ـهيوني ودولته العنصرية لم يكن من النائحة الثكلي والمصابة وممثليها من الدول العربية والإسلامية.
بل من دولتين من قارة أفريقيا بعيدتان من حيث الجغرافيا ومن حيث الانتماء للهوية العربية أو الديانة الإسلامية.
ولله حكمة بالغة ربما تظهر لنا وربما لا تظهر.
لكن مما يمكن فهمه ظاهرا أنه _ جل وعلا _ جعلها ترفع ممن ذاق طعم قهر النفوس العنصرية الخبيثة وممن ذاق طعم قهر حروب الإبادة الجماعية.
ولعل من حكم ذلك حتى لا يطعن أحد في مصداقيته ولا نية المدعي.
فكانت المطالبة بإقامة الدعوى مقدمة من دولة جنوب أفريقيا التي تحررت من تسلط العرق الأبيض الغربي لعقود طويلة.
وأوغندا التي نفخ فيها الغرب بسمِّهِ وكِيره بين قبائلها إلى أن أبادت الحرب بينها أكثر من مليون إنسان في نحو من ثلاث سنوات من الحرب والوصي الاستعماري يتفرج بل ومستمر في نهب خيراتها وثرواتها بحماية جيوشه المسخرة للنهب بالتواطؤ مع العملاء والخونة من داخل البلاد.
والمهم فيما نحن بصدده أن القضية رفعت والدعوى أقيمت وأما العرب والمسلمون فهم المصفقون والمعجبون وربما زاد ذلك من يقينهم أن الحق معهم وفي صفهم.
ثانيا: مفارقة العجز الدولي.
ظل ممثلو الدول الموقعة على ميثاق المحكمة يتلون خطاباتهم الواحد تلو الآخر في دوام كامل كل يوم لنحو أسبوع من الزمن.
خطابات أكثر من 140 دولة ذرفت فيها نوعين من الدموع.
دموع تستحضر مشاهد القتل والإجرام في غزة ومقتل الإنسانية والرحمة ولا تستطيع بعدها أن تحرك ساكنا.
ودموع من نوع آخر يجيده الممثلون للقوى المهيمنة على النظام الدولي.
إنها دموع التماسيح التي يذرفها وأسنانه الحادة تنهش في جسد الضحية ويعمل على ابتلاعها.
وفي النهاية لم تستطع تلك الإدانات والاستنكارات والمناشدات أن توقف إطلاق النار ولا أن تفتح المعابر لإدخال المساعدات فهل لها من اسمها ولو بعض النصيب؟ محكمة جنايات دولية !!!
ثالثا: مفارقة إثبات الجريمة.
مع أن الجريمة التي من أجلها عقدت المحكمة جلساتها تبث صوتا وصورة كل يوم في نشرات الأخبار وعلى مدار الساعة.
ومن أجلها انتفض عشرات الملايين في العالم كله رفضا لممارسات المحتل والجلاد والمجرم.
إلا إن محكمة الجنايات الدولية لا تكفيها تلك الصور والخطابات والإدانات والدلائل والتقارير وربما تحتاج إلى أشهر وربما سنوات للتفريق بين الجلاد والضحية لأن الاستعجال في الإدانة وإصدار الأحكام ليس من شيم القضايا العادلة حتى ولو أدى الانتظار إلى مضاعفة الجريمة حسا ومعنى وإعطاء السفاح الفرص تلو الفرص للاستمرار في المجازر والجرائم.
رابعا: مفارقة قرار الاستدعاء للمتهمين.
بعد طول انتظار أصدرت المحكمة قرارها باستدعاء المتهمين والعجيب أن يكون الاستدعاء لكل من ( نتنياهو _ السنوار _ _ الضيف _ هنية ) .
وموطن المفارقة أنه بدلا من البت بإصدار قرار لإيقاف إطلاق النار ويطالب مجلس الأمن بتطبيقه ثم يتم التفرغ لجلب المتهمين ومن ثم محاكمتهم تم العكس.
وكأن محكمة الجنايات تقول:
ما زال لديك وقت أيها المجرم استمر في القتل والتدمير للأبرياء وعبئ من دمائهم فما زال الطريق لإدانتك بعيدا فضلا عن النجاح في إصدار الحكم عليك فضلا عن تطبيقه وهكذا هو منهج الفاسدين في إضاعة الحقوق وتخليص المجرمين من العقوبة.
لم يكن أداء محكمة الجنايات الدولية يرقى بتاتا الى مستوى الحدث ولا الجريمة ولا مستوى التفاعل العالمي معها .
ولقد كانت الرسائل والضغوط التي وجهت للمحكمة ولأعضائها كافية لكشف الحقيقة المرة والتي يحاول مروجي ما يسمى الشرعية الدولية تغطيتها دوما، وهي خضوع هذه المحافل الدولية للابتزاز والعنصرية من خلف الكواليس وتحت الطاولة وأنها ليست محايدة ولا مستقلة بل هي خاضعة لمنهج القوة ومصالح الأقوياء مهما كانت القضايا المطروحة واضحة للعيان وحتى لو كان الشهود على ذلك العالم كله.
ولقد شاء الله عزوجل أن يكون اللجوء لهذه المحكمة سببا في كشف بعد جديد من أبعاد العنصرية الغربية وكشف أن المؤسسات الدولية التي أسست تحت رعايتها وتمول من موازناتها ويطالب العالم ومنه المنطقة الغربية للخضوع لسياساته.
لقد كشف مسار المداولات داخل المحكمة وردود الفعل خارجها إثبات وجود ولو جزء من (نظرية المؤامرة).
وأن هذه المحكمة إنما أسست للحفاظ على مصالح مؤسسيها الأقوياء بغض النظر عن القيم والمعايير الإنسانية العادلة.
بل هي قناع مزور للوصول إلى ما لا يمكن الوصول إليه مباشرة.
لقد ظهر هذا الانكشاف جليا ليس في لحن القول كما هو حال المنافقين عندنا في الشرع الإسلامي.
قال تعالى:
(أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم) محمد : 29 _30 .
بل ظهر الانكشاف جليا في فاحش القول والتبرير غير المستساغ بتاتا ومن مَن؟
الجواب:
إنه من المدعي العام للجنائية الدولية وفي قناة فضائية مشهودة للملايين من العرب والعجم حيث قال في سياق كلامه في مقابلة خاصة لقناة الجزيرة في نهاية شهر 4 / 2024 م ما نصه:
” سياسيون أبلغوني أن هذه المحكمة بنيت من أجل أفريقيا ومن أجل السفاحين مثل بوتين “
واتضح أن السياسيين المقصودين هم أعضاء في هيئة المحكمة ومن دول عظمى يفترض بها الحرص على تطبيق العدل.
هكذا يقر لنا من يفترض به أنه يمثل محكمة الجنايات الدولية ويعبر عن مطالب الدول بالعدل ورد الحقوق إلى أهلها كاشفا النفاق العالمي المتغلغل حتى في مثل هذه الهيئات والكيانات الحقوقية.
إن من قالوا له ذلك الكلام كانوا صادقين معه حقا لأنهم لن يحتاجوا هذه المحكمة لمجرمي الحرب في الكيان الصهيوني لأنهم حلفاؤه وشركاؤه بالأصل بل هم السبب في صناعته وزرعه في المنطقة .
أما المحكمة فهي أعدت لصنفين حسب هذا الدليل التاريخي غير المسبوق:
الأول:
العدو الاستراتيجي للغرب المتمثل في روسيا وحلفائها ومن يقف في معسكرها كما حصل مع رئيس تشوسلوفيكيا السابق.
الثاني:
زعماء وقادة أفريقيا الذين يخرجون عن الطاعة مطالبين بحق شعوبهم في الثروات من الذهب والمعادن والألماس فضلا عن البترول والغاز التي ينهبها الغرب يوميا لتعيش شعوب الشمال الأوروبي مرفهة وتعيش الشعوب الجنوبية في أفريقيا المنهوبة تعيسة شقية منكدة وفي انقلاب تلو انقلاب ليبقى السيد منعما راقصا فوق جثث الأحرار من الشعب.
إنها بلاد نائمة يصدق فيها بيت الشعر العربي:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
والماء فوق ظهورها محمول .
فهل نرجو إنصافا لأهلنا في غزة من مثل هذه المسارات المتلاعب بها من خلف الستار وتحت الطاولة؟
وهل يعتبر هذا الانكشاف السافر وعلى مذهب ” من فمك ندينك “
كافيا لقليل من الحياء وعدم المبالغة في مدح القانون الدولي ممن يدافعون عن الشرعية الدولية ومؤسساتها ويرجون من خلالها استعادة حقوقهم دون أن يصلحوا ميزانها ومكيالها الأعوج والمختل من أعضائه ومن يمثلونه ويدعمونه في أروقة المعاهد السياسية والدورات الدبلوماسية ..
اللهم أرنا في الظالمين والمجرمين ما تشفي به القلوب وتقر به العيون عاجلا غير آجل يا رب العالمين.
*كاتب وباحث يمني _مدير عام مركز الكلمة الطيبة للبحوث _ (صنعاء سابقا تعز حاليا) .