ديمومة ثورة تشرين وثبات الموقف

بقلم : إياد العنَّاز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تمر الشعوب الحرة الثائرة بمحطات واعدة ووقائع خالدة وأحداث كبيرة ترسم ملامح حياتها ومستقبل أجيالها وتساعد على اتخاذ مهام جديدة وبروح عالية تستعيد فيها دورها الريادي في قيادة المجتمع والإحاطة بأزماته وتحديد الآفاق الإيجابية للنهوض به وإعادة روح التعاون والتكاتف بين جميع أطيافه الاجتماعية، وهذا يتحقق من خلال الوعي والإدراك والفهم العميق للواقع الذي تمر به الشعوب المقهورة والساعية إلى التغيير الشامل لمفاصل وأدوات صورها السياسية والثقافية والاجتماعية وتحقيقا لهذه الرؤية تحاول حكومة بغداد جاهدة على تفسير تحركها ضد شباب تشرين ومنعهم من التواجد في الساحات والميادين العامة بمراكز المدن في محافظات وسط وجنوب العراق ومركز مدينة بغداد بإفراغ ساحة التحرير ورفع الخيم وفتح الشوارع المؤدية إليها بأنها إجراءات تساعد في تعزيز روح الثورة وتساهم في تنفيذ أهدافها ومبادئ شبابها، رغم أن الإجراء جاء موافقا للذكرى الأولى لانطلاقة ثورة تشرين المجيدة وهو الحدث الذي أعاد رونق وألق الكفاح والجهاد العراقي من أجل حياة حرة كريمة ومستقبل واعد ورفض تام للأحزاب والكتل السياسية المشاركة في السلطة القائمة ببغداد.إن هذا الإجراء الميداني الذي قامت به حكومة بغداد وأجهزتها الأمنية والعسكرية جاء لمواجهة حركة ونشاط الثوار وغاب عنهم أن الثورة وأهدافها وقيادتها والمدافعين عنها والمساهمين فيها لا يحدد نشاطهم وفعالياتهم ساحات عامة أو ميادين واسعة وأزقة وشوارع ممتدة ينتشر فيها أبناء الشعب العراقي الثائر وإنما المعاني الحقيقية والأهداف السامية والمبادئ العالية والقيم الثورية هي في ضمائر وصدور الثوار والدافع الكبير لاستمرارهم في نهجهم رغم كل التحديات والمواجهات التي تقوم بها السلطة الحاكمة في بغداد وأنهم آمنوا بقضيتهم ومستمرون بالدفاع عنها حتى تحقيق النصر الناجز والتغيير الشامل.حقق الثوار أهدافا واقعية أدركتها الحكومة وعلمت مدى تأثيرها وانسجامها مع المد الثوري والشعبي الذي تحظى به الثورة من جميع قطاعات الشعب عندما تمكنت طلائع وشباب ثورة تشرين المباركة من إسقاط حكومة عادل عبد المهدي التي ساهمت في قتل أكثر من (600) ثائر من ثوار العراق وجرح وإصابة (25) ألفا آخرين واغتيال وخطف وتغيب العشرات من الناشطين السياسيين والإعلامين الأحرار والشباب المؤثر في مسيرة الثورة الظافرة، كما ساهمت الثورة في نشوء وإعداد جيل ثوري وطني الانتماء محبا لبلده مدافعا عنه رافضا للهيمنة والنفوذ الايراني الذي أزعج أدوات ووكلاء الحرس الثوري الإيراني وقياداته وأجهزته الامنية والاستخبارية فعملت على تسخير جميع إمكانياتها في استهداف الثورة وأبنائها واستخدام أدوات التصدي والتنكيل بحقهم عبر المليشيات المسلحة والعناصر القتالية المرتبطة بهم ، وكانت الصورة الجميلة للنسيج الاجتماعي الذي خطته الثورة الأثر الكبير في مغادرة المفهوم العام للمحاصصة الطائفية والسياسية والمذهبية فتوحد الشعب تحت راية الثورة وأهدافها السامية وآمن بمبادئها الحقيقية وموقفها الإيجابي من قضايا الشعب العراقي .علينا أن نعلم أن جميع الكيانات السياسية والأحزاب المشاركة في السلطة لا تمثل الانتماء الصادق لثوار تشرين ولا تنتمي إليهم لأنها لم تستطيع أن تكون المعبر الحقيقي عن آمال وطموحات الشعب وإنما كانت أداة للنهب وسرقة أحلام الشباب وطموحاتهم وتغليب المصالح الحزبية والمنافع الفئوية على حساب سعادة ومستقبل شعبنا وأجيالنا القادمة ولم تكن صادقة في كل أقوالها وتصريحاتها بالتزاماتها بالإصلاحات والأهداف التي دعا إليها الشباب المنتفض وقواه الجماهيرية والشعبية، وخشيت على مواقعها وإزاحتها من السلطة بعد الدعوات الفعالة التي نادى بها الثوار وصدحت بها حناجرهم برفضهم لجميع القوى السياسية التي حكمت البلاد بعد الاحتلال الأمريكي كونهم الأداة التي ساهمت في ضياع العراق وانتشار الفساد ودعم الفاسدين وسرقة المال العام ونهب الثروات وفضحت إمكانياتهم وادعاءاتهم السياسية وأنهم لا يملكون أي رؤى واقعية وعملية لمواجهة الأزمات الكبيرة التي يعاني منها المجتمع العراقي وافتقارهم لأدوات الفكر السليم والتعامل الميداني وأصبحوا يشكلون عبئا ثقيلا في حياة المواطنين.مهما سعت حكومة الكاظمي في تصوراتها ودعواتها لتشكيل تكتلات وأحزاب سياسية من ساحة الثورة فإنها بالتأكيد سوف لا تكون ممثلة لطيف ووهج ثورة تشرين المجيدة وأبنائها البررة لأن الثوار لديهم الرؤية السياسية الوطنية الصادقة في إحداث أي تغيير اجتماعي وسياسي كامل أساسه إبعاد الأحزاب السياسية الحالية وإيجاد مرتكزات فاعلة لعمل وتوجه جماهيري وشعبي يعيد للشعب العراقي أمله وأهدافه في التغيير وإيجاد رؤية إيجابية للعمل الوطني الهادف نحو بناء دولة المواطنة في العراق.ان الأساليب التي اتبعت في إفراغ الساحات والميادين العامة من الثوار وإبعادهم عن أماكن الانتفاضة الشعبية ومحاولة إسكات أصوات الحق فإنها سوف لا تحقق شيئا للحكومة ولا لتوجهاتها لأن الثورة ستستمر وأهدافها ستبقى ماثلة في نفوس أبنائها وستعود باطار ثوري أقوى وبصلابة في الموقف أشد وبإيمان راسخ بتحقيق الأهداف المنشودة وتوحيد الرؤى والجهود ولا تنتهي ثورة الشعب إلا بالاستشهاد أو تحقيق الإرادة الجماهيرية في التغيير والبناء والمستقبل الواعد، لأن الثورة برؤيتها الواقعية وأهدافها الشعبية مثلت وأفصحت عن معاناة أبناء الشعب العراقي وأنها الصوت الذي نادى بالإصلاح والتغيير وتصحيح المسار العام للحياة السياسية للبلاد والدعوة للانعتاق من الظلم والتعسف الاجتماعي والحفاظ على وحدة العراق وتحقيق العدالة الاجتماعية وحفظ وصون الشرف والتمسك بعزة وكرامة الشعب، أصبحت الثورة منارا ساطعا وضياءا منيرا وإشعاعا متوهجا ورمزا وطنيا وإنسانيا في مقارعة الأحزاب السياسية والسلطة الحاكمة المتمثلة بالفساد السياسي والاقتصادي وإهدار المال العام وسفك دماء المتظاهرين وقتل أحلامهم.

Similar Posts