| |

هل نسكت لنموت؟طيبة الخزرجي

زاوية تأتيكم من جريدة البصائر

غارة تستهدف مأوى للمدنيين من جديد، مجزرة جديدة مئات القتلى والجرحى من الأطفال والنساء خاصة، مشاهد مؤلمة تعج بها الشاشات مشاهد يرق لها الحجر دون قلوبنا!

أطفال دفنت طفولتهم في التراب تحت الأنقاض في صور أقل ما يقال عنها إنها مروعة لا ينبغي لمن في عمرهم أن يشاهد مثيلاتها في التلفاز فكيف بهم أن يعايشوها؟

ونحن نرى ونسكت نرى ونكتفي بالاحتساب الى الله، ثم نؤرشف صورهم كما نؤرشف كل شيء يحصل، الحوادث والمشاعر وردود الأفعال الباردة وكل المجازر التي ارتكبت وترتكب؛ بل وأنا أكتب الآن ستؤرشف الآلاف من المظالم والناس المنكوبة والدموع والأسى ثم يستعدون لمجزرة أخرى!

حتى بدأت أتخيل ذاك الموقف الذي سأكون فيه وأنا أتحدث لأحفادي عما عشناه في زماننا؛ ليكون حديثي شبيها بفلم رعب يتحدث عن وحوش غزوا العالم يقتلون كل أنواع الحياة، والقلة القليلة من الناجين هم من احتفظوا بالصور المأساوية، اتخيلني أحدثهم عما نعايشه اليوم فتسيطر على عقولهم الدهشة ويمطرونني بأسئلة: وأنتم ماذا فعلتم؟

مجزرة تعقبها أخرى وكأن الهدف الحقيقي القضاء على إنسانيتنا تمامًا، أن نألف مشاهد الدم ونستسيغ الذل، كي يصبح دم الأبرياء وأرواحهم أقل ما يمكن تقديمه؛ ليعيش الظلم ويتمدد الفساد أكثر، الحقيقة أننا وقود الحرب وسلاحها وضحاياها في آن واحد.

كنت أستغرب جهل الإنسان في العصور القديمة الذي انتهى بحروب طاحنة استمرت لسنوات دفاعاً عن رأي كبير القبيلة أو ولاءًا لها أو ثأرًا لأحد أفرادها أو حتى على فكرة وثنية لا تمت للواقع والمنطق بصلة، كما في حرب داحس والغبراء التي استمرت أربعين سنة بين قبيلتي (عبس وذبيان) وانضمت لهما الكثير من القبائل والتي كان سببها غش في سباق فرسين هما (داحس، الغبراء) كان قد عُلق على فوز أحدهما فوز صاحبه بحماية قوافل النعمان بن المنذر وعندما تكشف أمر الحيلة اشتعلت حرب ضروس راح ضحيتها آلاف من القبيلتين، أو حرب طروادة التي استمرت عشر سنوات والتي اتفق الفرس القدامى والفينيقيون مع اليونان القدماء في قولهم أن تلك الحرب العظمى استعرت نارها لأن واحدة من النساء الحسان قد اختطفن من بلادهن وبسببه فإن باريس الطروادي اختطف هيلين (Helen) ملكة أسبرطة!

أما اليوم وقد عايشت أربعة عشر عاماً من الظلم والموت بشتى الوسائل وبأكثر الطرق وحشية وأقساها أرى أن قصص حربنا هذه ستفوق تلك عجباً ودهشة، ويكفي أن تلك الحروب كانت في ميادين القتال وساحات المعارك، ولم تتمدد لتصل الآمنين في بيوتهم من النساء والأطفال؛ لتحولهم الى جثث ممرغة في التراب مطمورة تحت الأنقاض!

كما أنها كانت حرب بين طرفين واضحين يقاتلان من أجل ولاء القبيلة فإن انتصروا انتصرت وإن هزموا هزمت، أو دفاعاً عن فكرة يدفعون أرواحهم لتسود أو تنتهي. أما حروبنا اليوم فالطرفان يقتتلان لمصلحة طرف ثالث يقتات على إبادتهما معًا!

ويعود السؤال مجدداً لماذا؟ لماذا تستمر الموصل وأهلها بدفع ثمن انطماس صوتنا؟ لماذا تدمر مدينة بأكملها، ويشرد أهلها وتضام نساؤها، ويباد أطفالها ونحن نتذمر من ارتفاع سعر الطماطة؟

لماذا يعاني الآلاف بل الملايين من سوء التغذية الحاد بينما نفكر ماذا سنأكل اليوم، وفلان لا يحب كذا وآخر لا يحب كذا؟

لماذا يموت الأطفال الأبرياء ونسمح بل ونعين الجناة بسكوتنا؛ كي يحتسوا كوب القهوة في قصورهم أو في أرقى الأماكن؟

تساؤلات لا نهاية لها لكنها لا تتعدى في النهاية كونها مسكنات أدمناها ويظل تأثيرها منحصراً في رقعة صغيرة في داخلنا تصحو حينًا وتغفو أحيانًا تدعى (الضمير)!

Similar Posts