الانتهاكات الإنسانية وأبعادها في العراق
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تعبر المجتمعات الراقية والدول الحضارية عن مدى فهمها وانتمائها الإنساني العميق وتعلقها بطموحات وأهداف شعوبها عندما تحترم إرادة الإنسان وتقدر أهمية دوره في تقدم وازدهار المجتمع وتسعى إلى احتضانه والدفاع عن حقوقه وكرامته ودعم آراءه التي تدعو إلى التآزر والمحبة والتآلف بين جميع أبناء الشعب وتعزيز الدور الريادي في بناء وإعمار البلاد ومنح الأدوات اللازمة التي تساهم في رفد المجتمع بهذا الجهد الإنساني الكبير وتوسيع دائرة العطاء عبر الوسائل الفعالة التي تحمي المواطن وتعينه على القيام بواجباته المجتمعية خدمة للإنسانية واحتراما لإرادة ورأي الجميع وتعزيزا بأهمية هذا الدور فإن الدول الراقية تعمل على تسخير جميع إمكانياتها الثقافية والعلمية والأدبية والاجتماعية في سبيل تحقيق الرقي والازدهار للبلاد وأن تعم السعادة والرفاهية حياة المواطنين لتكون مفتاحا لكل مبدع وإطلالة جميلة لكل عمل فني مزدهر وصورة حضارية متأصلة الجذور لكل نتاج ثقافي وأدبي رصين، فلا تتقدم المجتمعات وتسود الدول إلا بروح من العطاء والتضحية والإبداع واحترام الذات الإنسانية ودعم حقوق البشر وتعزيز دورهم في رسم ملامح الحياة الحرة الكريمة، ومن هنا تأتي الأهمية الاعتبارية بوجود ركائز متينة تعتمد أسسا رصينة وجهودا مباركة وأفعالا إيجابية تستمد قوتها ورصانتها من طبيعة الدعم الوجداني والاهتمام الرسمي والتفاعل اليومي الذي تبديه مؤسسات الدولة وتسخر إمكانياتها لوضعها في حقول الإبداع والعطاء لينمو العمل الجماعي ويكون انعكاسا راقيا للجهود التي يبذلها المخلصون الأوفياء لبلدهم وتراب وطنهم والقائمين على احترام تاريخ وحضارة بلدانهم واعتزازهم بالدور الكبير لأبناء شعوبهم.يبقى الدور المتميز الذي يسعى إليه الجمع الخير من أدباء وعلماء وفنانين وسياسيين وإعلاميين هو الأساس في تحديد مسارات التوجه السياسي والاجتماعي للدول المتقدمة والمجتمعات الراقية في سبيل رصد جميع الجهود الخيرة ومباركة حضورها في دعمها وإسنادها ومنح الدور الكبير لأعضاء المجتمع المدني بالاستماع إليهم والاهتمام بقضاياهم وتحقيق مطالبهم عندما تكون ضمن حزمة الحقوق التي ينادون بها من أجل رفعة وتقدم المجتمع ورفع الحيف والظلم عن إخوانهم من أبناء شعبهم والدعوة لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجميع واحترام إرادة الإنسان وتطلعاته وأهدافه نحو بناء المجتمع المنشود واعتبار حرية الرأي والفكر أساس في تقدم ورقي البلاد، أي أن تكون هناك مساحة واسعة في احتضان الرأي الآخر والعمل على توسيع دائرة التفاهم والانسجام بين الجميع وصولا إلى رأي سليم وأهداف صادقة تحتضنها الأفكار النيرة وتدافع عنها حناجر الشباب الثوري وبدعم جميع شرائح المجتمع والحفاظ على جذوة وثمرة الكفاح وتعزيز مفهوم التواصل والالتحام بين جميع أبناء الشعب تحقيقا لأهدافهم وتطلعاتهم.ضمن هذه الرؤية الهادفة والتطلعات المجتمعية الراقية والأفكار النيرة الداعية إلى تحقيق الرفاهية والسعادة والعدالة، يمكن لنا أن نعطي مجالا لمراجعة ذاتية لما تحقق من متغيرات فكرية وأهداف ميدانية وتطلعات جماهيرية خاضها شباب العراق ودافع عنها في ثورته المجيدة في الأول من تشرين الأول عام ٢٠١٩ عندما صدحت حناجر الشعب العراقي ممثلة بأبنائه البررة وشرائح مجتمعه الخيرة وعشائره الكريمة ومنظماته المهنية عندما التحموا جميعا من أجل رفع صوت العراق عاليا والمطالبة بحقوق أبنائه والحفاظ على كرامته وعزته وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي ورفض التبعية الدولية والإقليمية وتحقيق آمال أبناء الشعب العراقي في عملية التغيير والإصلاح رغم جميع الإجراءات التعسفية والملاحقات الأمنية والاغتيالات السياسية وعمليات الخطف والتغييب القسري ومطاردة النشطاء السياسيين والإعلاميين الوطنيين واستخدام أساليب الترهيب والخوف ، إلا أن شباب وشابات الصورة استمروا في نهجهم والتمسك مبادئهم والدفاع عن أهدافهم التي أعطوا فيها دماء طاهرة زكية روت ساحات وميادين العاصمة الحبيبة بغداد ومحافظات الفرات الأوسط والجنوب الأغر في ملحمة شعبية كبيرة لا تزال وستبقى قائمة في عقول الانقياء ولا تزال ماثلة أمامهم تضحيات قدمت (800) شهيد و(28) ألف جريح دفاعا عن الحق العراقي وتحقيقا العدالة الاجتماعية ورفع الظلم والتعسف الاجتماعي عن أبناء الشعب العراقي المحتسب، وبقيت هذه الشواهد علامات مضيئة في حياة الشعوب الحرة المتطلعة لغد مشرق ومستقبل زاهر واعد وحظيت باهتمام الخيرين المدافعين عن الحرية والعدالة في عموم أرجاء المعمورة.يأتي التقرير الدوري الحادي والعشرين لانتهاكات حقوق الإنسان في العراق الصادر عن (مركز الخليج لحقوق الإنسان ) ليؤشر العديد من الظواهر والوقائع الميدانية التي تدين الانتهاكات التي تعرض لها أبناء الشعب العراقي وتوثق الحالات السلبية التي رافقت حياة العراقيين وعمليات القتل والاغتيال السياسي وكبح جماح الرأي الأخر واستهداف الناشطين البواسل وشباب ثورة تشرين المجيدة وضعف المواقف الحكومية في متابعة الجرائم التي تنتهك حقوق المواطنين والتباطؤ في إحالة القتلة للمحاكم المختصة رغم المناشدات والممارسات الحثيثة وترك عناصر المليشيات والجماعات المسلحة المسؤولة عن اقتحام ساحات الثورة وقتل وجرح المتظاهرين واختطاف البعض منهم في عملية تغييب جماعي وتحت أنظار الحكومة العراقية دون أي إجراءات رادعة تحمي الدم العراقي وتحترم حياة الإنسان، وذكر التقرير الدوري اهم الحوادث والمواجهات التي حظيت باهتمام ومتابعة الرأي العام العراقي وشكلت انعكاسا واضحا لطبيعة التعامل مع الأحداث من قبل الجهات الحكومية وشاهدا صادقا على النهج المستمر في انتهاك حقوق الإنسان العراقي وفيما يلي أهم الحوادث التي أشار إليها التقرير :1.بتاريخ 30 نيسان 2021 تعرض الناشط المدني (ضرغام ماجد مهدي) إلى عدة اطلاقات نارية في منزله الكائن بقضاء الحمزة بمحافظة بابل.2.بتاريخ 28 تشرين الثاني 2021 استذكار الذكرى الثانية لمجزرة جسر الزيتون بمحافظة ذي قار والتي راح ضحيتها (500) شخص من المتظاهرين بين شهيد وجريح باستخدام الأسلحة المتوسطة والخفيفة والغاز المسيل للدموع .3.بتاريخ 8كانون الأول 2021 استذكار الذكرى الثانية لاغتيال الناشط المدني (فاهم الطائي) من أهالي محافظة كربلاء وأحد الثوار الفاعلين الذين قادوا الاحتجاجات في ثورة تشرين المباركة، وتمت عملية الاغتيال بعد قيام شخصين ملثمين يستقلان دراجة نارية بإطلاق النار عليه من مسدس مزود بكاتم للصوت في منطقة البارودية بمركز مدينة كربلاء.4.بتاريخ 22 كانون الأول 2021 خرجت تظاهرة جماهيرية واسعة في مركز مدينة الناصرية ضد الفساد وتمت مواجهتها وأدت إلى جرح ثلاثة متظاهرين. 5.بتاريخ 30 كانون الأول 2021 حدثت مجزرة جبلة بمحافظة بابل، بعد قيام ضابط برتبة نقيب يعمل في قوات مكافحة المخدرات ببغداد باستغلال منصبه وبسبب خلافات عائلية أدلى بمعلومات مضللة عن والد زوجته مدعيا أنه تاجر مخدرات وأدى قيام القوة المهاجمة التي استخدمت جميع الأسلحة المتوسطة والثقيلة إلى مقتل عشرون شخصا منهم اثنا عشر طفلا، ونتيجة التحقيقات أثبتت عدم صحة المعلومات وإنما هو استغلال للسلطة واستخدام أدواتها. 6.بتاريخ 8 كانون الثاني 2022 خرجت تظاهرات شعبية في مركز محافظة الكوت بسبب الفساد الإداري وتم مواجهتها وأدت إلى جرح اثنين من المتظاهرين. استمرار الحكومات المتعاقبة في تقيد الحريات واغتيال العديد من الناشطين والتغيب القسري لعشرات المواطنين من أدباء ومفكرين وكتاب وشباب منتفض ضد الوضع السائد والقائم في بغداد وباقي محافظات العراق يؤدي إلى استمرار روح الثورة وإبقاء جذوتها وشعلتها الوضاءة حتى تحقيق الأهداف العليا والآمال العريضة.