الجزاء الأوفى

الناقد أدهم الشبيب

قد يجازي مالك مملوكه أو أب ابنه أو رئيس مرؤوسه أو مستخدم أجيره جزاء وافيا-لما تقدم به من حسن الخدمة أو جميل البر أو تمام العمل-حين لا يجازي بعض الظالمين أو المبخسين أو المطففين أو المستبدين من له في أعناقهم حق الجزاء والإثابة، ولكن الله وحده هو من يجازي كامل الجزاء ويكافئ أحسن المكافأة -إذ لا يقدر أكثر الناس إنصافا ووفاء-على ذلك، واليك الأسباب.

الذي يخدم في الغيب أو يوفي لصاحبه أو يبر والده أو يحسن عملا لمستخدمه لا يرى ولذا فلن يخطر ببال المجازي أن يثيبه على ذلك فلا أحد يجازي على شيء لم يره، ولكن عند الله فـ ((أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ)) إن صام والناس فطور أو قام والناس نيام أو أنفقت يمينه ما لم تدر شماله، فهذا جزاء من صنف آخر، فإن كان المستفيد لا يدري بقيمة ما قدمته ويقصر في كفاية جزائك الحق و إن -أقر به وجازاك عنه- فإن الله يعرف ولا يظلم ولا يبخس مقدار ذرة فجزاؤه تام.

كما وإن المستفيدين جميعا ينتفعون بما قدمت سواء معنويا أو ماديا فيجازونك على شيء قد نفعتهم به لكن الله لا يريد فهو يُطعِم و لا يُطعَم و يَرزق و لا يُرزق ويُحيي ويُميت فرد صمد لم يلد ولم يولد، و هو يجازي من لا يمكن لأحد أن يجازيه لدوام فضله على الناس دون أن يتفضل عليه أحد ((وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ)) فهذا جزاء فريد، أي ليس لأحد من الخلق على هذا الرجل “الأتقى” ((الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى)) نعمة تجزى إلا وقد كافأه بها، وربما بقي له الفضل والمنة على الناس، فتمحض عبدًا لله، لأنه رقيق إحسانه وحده، وأما من بقي عليه نعمة للناس لم يجزها ويكافئها، فإنه لا بد أن يترك للناس، ويفعل لهم ما ينقص إخلاصه ، يقول السعدي رحمه الله :

“وهذه الآية [يقصد من سورة الليل]، وإن كانت متناولة لأبي بكر الصديق، بل قد قيل إنها نزلت في سببه، فإنه -رضي الله عنه- ما لأحد عنده من نعمة تجزى، حتى ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا نعمة الرسول التي لا يمكن جزاؤها، وهي نعمة الدعوة إلى دين الإسلام، وتعليم الهدى ودين الحق، فإن لله ورسوله المنة على كل أحد، منة لا يمكن لها جزاء ولا مقابلة، فإنها متناولة لكل من اتصف بهذا الوصف الفاضل، فلم يبق لأحد عليه من الخلق نعمة تجزى، فبقيت أعماله خالصة لوجه الله تعالى.

ويرى الطبري أنه “ما لأحد من خلق الله عند هذا الذي يؤتي ماله في سبيل الله يتزكى (مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) يعني: من يد يكافئه عليها، يقول: ليس ينفق ما ينفق من ذلك، ويعطي ما يعطي، مجازاة إنسان يجازيه على يد له عنده، ولا مكافأة له على نعمة سلفت منه إليه، أنعمها عليه، ولكن يؤتيه في حقوق الله ابتغاء وجه الله” انتهى كلامه. فالله إذن هو من يقدر على مجازاة من طلب غير وجه الناس فيما بادر من فضل و معروف.

و اعلم أن المستفيدين لا يجازونك إلا على أمر مادي أي محسوس بينما يجازي الله سبحانه حتى على النوايا، فهل رأيت عبدا أو صاحبا أو رئيسا جازاك على نيتك دون أن تهم بعمل ينفعه أو بأمر يخدمه، و لا منة لأحد على الله، يقول تعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ((يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ ۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَٰنِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ)) و رغم هذا فقد كافأهم الله على إسلامهم و إيمانهم في الدنيا و في الآخرة جازاهم ((جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ))،

وبعد فقد يخدع المدعي بالخدمة أو البر أو ينفق المرائي أو يتكسب المتملق فيجازى دون استحقاق ويعطى دون فضل ولكن الله وحده هو الذي يحقق ((أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ)) ويطمئن ((أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ)) و يؤكد ((ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ)).

((وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى)) والحمد لله رب العالمين

Similar Posts